تقرير إخباري: مأساة “مغاربة العالم”.. 3 مؤسسات “ملكية” ووزارة ولا صدى لصرخات العالقين عند أبواب المعابر
تعيش الجالية المغربية معاناة حقيقية في رحلتها من بلدان المهجر إلى المغرب، تبدأ مع غلاء أسعار تذاكر السفر وإلزامية اختبارات كورونا، وتشتد في المعابر الحدودية حيث تضطر العائلات للانتظار لساعات طويلة في ظروف “لا إنسانية”.
ورغم الشكاوى المتزايدة لأفراد الجالية من الظروف التي تسير فيها “عملية مرحبا 2022ّ”، إلا أن هذه الشكاوى لا تجد من ينصت لها، في وقت تغيب فيه عن التشكيلة الحكومية، ولأول مرة منذ عقدين، وزارة خاصة بهذه الفئة، بعد استحواذ وزير الخارجية ناصر بوريطة على اختصاصاتها ورفضه وجود أي وزير منتدب أو كاتب دولة معه في تحمل شؤون الوزارة التي تتولى الشؤون الخارجية والجالية والعلاقات الإفريقية، وتلك قصة أخر سنعود إليها في تقرير لاحق.
جالية بلا وزارة
يقدر عدد الجالية المغربية بحوالي خمسة ملايين فرد، تعتبر تحويلاتهم من العملات الصعبة ثاني مصدر للعملة الصعبة ف المغرب، بعد صادرات السيارات، وقبل مداخيل الفوسفاط والسياحة، أهم مصادر العملة الصعبة في المغرب. أهمية الجالية المغربية، كما كيفا، جعلها تحظى منذ عدة عقود باهتمام رسمي على أعلى مستوى من هرم الدولة، منذ تسعينات القرن الماضي. وخلال العقدين الأخيرين تم إحداث حقيبة وزارية في التشكيل الحكومي منذ حكومة ادريس جطو) 2002 ـ 2007(، كان للجالية المغربية وزراء مستقلون أو منتدبون لدى رئيس الحكومة، قبل مجيء بوريطة إلى رأس وزارة الخارجية، ليتم إلحاق شؤون الجالية به، عبر وزراء منتدبين لديه عوض رئيس الحكومة.
وسرعان ما ستتمدد وصاية بوريطة على وزارة الجالية، بسحب اختصاصات الوزيرة المنتدبة المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج السابقة نزهة الوفي، ويصير اتخاذها لأي قرار رهينا بموافقة بوريطة ومنحه الضوء الأخضر لها، وهو ما سيجعلها وزيرة لوزارة بدون صلاحيات تقريبا.

ولم يتوقف الأمر عند سحب الاختصاصات وتقليصها، فخلال الولاية الحكومية الحالية التي يرأسها عزيز أخنوش، باتت الوزارة المنتدبة المكلفة بالجالية في خبر كان، وأصبح لوزير الخارجية كامل النفوذ على هذه الاختصاصات، إلى جانب باقي الاختصاصات ومنها العلاقات الخارجية والتعاون الإفريقي والتطبيع وملف الصحراء وغيرها، وهو ما قلص من هامش الاهتمام الحكومي بالجالية، خاصة مع ضعف إلى انعدام التواصل والتفاعل بشأن مشاكل هذه الفئة.
ورغم تأكيد الحكومة بعد تشكيلها على أن عددا من القطاعات سيكون لها كتاب دولة، سيتم الإعلان عنهم قريبا، إلا أنه ولحدود اليوم لم يتم الإعلان عن كتاب الدولة، الذين كان من المنتظر أن يكون من بينهم كاتب دولة مكلف بالجالية المغربية.
مؤسستان ومجلس خاص بالجالية
وإلى جانب غياب وزارة مكلفة بمغاربة الخارج، فإن مجلس الجالية المغربية بالخارج المحدث سنة 2007 لا يعدو أن يكون مؤسسة استشارية “هلامية”، بدون اختصاصات تقريبا، يتابع ويقيم السياسات العمومية في هذا الجانب، ولا صلاحية له في حل مشاكل هذه الفئة العريضة، وهو ما يجعل من وجود هذه المؤسسة مجرد “مرآب” كبير لتدجين نخب سياسية مطواعة، وآلة كبيرة لإنهاك ميزانية الدولة ولإنفاق المال العام بدون نتيجة تذكر!
فنمد إنشاء هذا المجلس عين على رأسه “رئيسين”، هما إدريس اليزمي، الذي كان يشغل في نفس الوقت رئيسا للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وبالتالي كان كل اهتمامه مركز على عمل هذه المؤسسة، وإلى جانبه تم تعيين عبد الله بوصوف، كاتبا عاما لنفس المجلس، وظل طيلة السنوات الماضية، أي 15 سنة الماضية، بمثابة الناطق الرسمي باسم هذا المجلس، لكنه اختصر كل أنشطة هذا المجلس في ندوات “تنظيرية” ينفق عليها بسخاء من المال العام، أو في مقالات تٌوقّع باسمه مدفوعة الثمن تنشر في منابر بعينها تربطها علاقات “شراكة” مع المجلس! أما إدريس اليزمي، فمنذ إعفائه من رئاسة مجلس المستشارين، لأسباب يعرفها هو، ورغم احتفاظه بالرئاسة “الشكلية” لمجلس الجالية، فقد اختفى عن الأنظار ولم يعد يظهر له أي أثر!
وإلى جانب كل هذه المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية، توجد مؤسستان تهتمان بشؤون الجالية، أقدمهما “مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج” خرجت إلى الوجود عام 1990 ، في عهد الملك الحسن الثاني و عهدت للرعاية الفعلية للأميرة مريم ، وكان يرأسها عمر عزيمان، المستشار الملكي الحالي، لكن عمل هذه المؤسسة الذي يهدف كما ينص على ذلك قانونها التنظيمي “ضمان استمرار العلاقات الأساسية التي تربطهم بوطنهم، و إلى مساعدتهم على تذليل الصعوبات التي تعترضهم بسبب اغترابهم”، لا وجود له على أرض الواقع. وعند زيارة موقعها على الإنترنيت سيفاجئ الزائر بأنه يتم تحيينه بشكل مستمر، بل ومن بين أهم البرامج المسطرة لعملها خلال 2022، نجد عدة شراكات تخص تنظيم مهرجانات وندوات.. وإلى جانب هذه المؤسسة توجد “مؤسسة محمد للتضامن”، الذراع الفعلي للدولة الذي نجده على أرض الواقع، لكن تعدد وتنوع تدخلات هذه المؤسسة، يثقل كاهل العاملين بها، ومنذ وفاة المستشارة الملكية زليخة نصري، الوجه الإنساني لهذه المؤسسة، التي كانت تنسق أعمالها، تراجع آدائها كما سجلته “عملية مرحبا 2022″، حيث كان الحضور القوي للمستشارة الملكية السابقة يفرض نفسه على الكثير من القطاعات الحكومية والرسمية للقيام بالأدوار المنوطة بهم. فتلك طبيعة الكثير من المسؤولين الحكوميين والرسميين، لا يتحركون إلا تحت الضغط وبهاجس الخوف على فقدان المنصب!
غلاء التذاكر والفحص
تمر عملية مرحبا هذه السنة في ظروف استثنائية، فهي العملية الأولى التي تتم عبر إسبانيا منذ 2019، بعد توقف دام سنتين بسبب ظروف الجائحة والتوترات الدبلوماسية بين الرباط ومدريد.
ومنذ انطلاق هذه العملية التي تقل حوالي 3 ملايين شخص إلى المغرب، يشتكي أفراد الجالية من الكثير من الصعوبات، على رأسها غلاء أسعار التذاكر، وإلزامية اختبارات كورونا “pcr” التي تثقل كاهل الأسر المكونة من عدة أفراد.
هذه المعاناة نقلت جزءا منها البرلمانية إيمان الماوي في سؤال كتابي للحكومة، أكدت من خلاله اكتواء الجالية المغربية بمصاريف باهظة للغاية من أجل تنقلها للمغرب، خاصة فيما يتعلق بتذاكر السفر، ومعها اختبارات كورونا، داعية الحكومة إلى اتخاذ التدابير اللازمة للتخفيف من غلاء أسعار التذاكر للجالية.
ومن جهتها، قالت التنسيقية العامة لمغاربة إسبانيا إن “أثمنة التذاكر العالية والمجحفة هي استغلال فاحش ولا مسؤول للمسافرين من أفراد الجالية المغربية المقيمة بأوروبا، إلى درجة إدخال الأطفال الرضع في لائحة الأثمنة”.
وانتقدت التنسيقية بشدة تساهل الحكومة مع شركات النقل الاحتكارية، وعجزها عن تخفيض أسعار التذاكر ووضع حد أقصى لها يكون في متناول الجميع، وتَهَرُّبُهَا من تحمل مسؤوليتها مبررة ذلك بقانون العرض والطلب.
وتوقفت التنسيقية على الاستمرار في فرض إجراء فحوصات اختبار PCR التي تعجز أغلب العائلات عن تحمل مصاريفها، وبالتالي تحرمها من دخول المغرب.
ورغم توارد شكاوى وتذمر أفراد الجالية إلا أن الوضع يبقى على ما هو عليه، دون أي تدخل من طرف المسؤولين والوزارة الوصية، ما خلف استياء وسخطا كبيرين وسط مغاربة المهجر، واضطر جزءا آخر إلى إلغاء سفره إلى المغرب.
معاناة وانتظار لساعات
وفي ظل الغلاء الكبير لأسعار تذاكر الطائرات، وغياب التدخل الحكومي للحد منه، يختار المهاجرون المغاربة طريق البحر لولوج المغرب عبر مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين.
ورغم أن غلاء الأسعار شمل أيضا النقل عبر البواخر، إلا أنه يبقى أقل كلفة بالنسبة للعائلات المغربية مقارنة مع الخيار الأول، وهو ما أدى إلى زيادة نسبة المهاجرين الذين ينتقلون من ميناء الجزيرة الخضراء إلى سبتة بحوالي 45 في المئة مقارنة مع 2019.
هذا التوافد الكبير، تحولت معه عملية مرحبا إلى كابوس في الأيام الماضية، مع طوابير طويلة من السيارات وساعات من الانتظار في ظروف وصفها بعض المسافرين بـأنها “لا إنسانية”، تنطلق من ميناء الجزيرة الخضراء، وتشتد عند المعبر الفاصل بين سبتة والمغرب. فعند هذا المعبر اضطرت العديد من الأسر إلى الانتظار أكثر من ـ12 ساعة، في بعض الأحيان، من أجل العبور نحو المغرب، في ساحة لا تتوفر على أبسط الشروط، من تغذية ومراحيض وأماكن للاحتماء من حر الصيف، ما اضطر العابرين إلى هجرة سياراتها فرا من الاختناق داخلها وافترشوا الأرض في انتظار ساعة الفرج.

وفي الوقت الذي تشهد فيه أعداد المهاجرين المغاربة تزايدا على مستوى المعبر الحدودي، وتسجيل أرقام قياسية في أعداد الوافدين، خاصة مع نهاية الأسبوع واقتراب عيد الأضحى، وبالرغم من تنديد تنسيقية مغاربة إسبانيا بالظروف التي يعيشها المهاجرون عند الوصول إلى نقط العبور بسبب طول مدة الانتظار دون عناية وإخبار، مطالبة الحكومة بالتحرك، يبقى تدخل السلطات ضعيفا ودون ما يأمله المهاجرون. ومقابل اشتعال وسائط التواصل الاجتماعي بالشكاوي والتنديد، لم يخرج أي من المسؤولين الحكوميين ليفسر للرأي العام، خاصة مغاربة العالم، ما الذي يجري، وكيف ستتحرك الحكومة للتخفيف من معاناتهم.
وموازاة مع صمت المسؤولين المغاربة، أقر وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بالمشاكل التي تصاحب عملية مرحبا بمدينة سبتة المحتلة، واعدا بالعمل على حل مشكل الطوابير الطويلة والاختناق في حركة المرور خلال الأيام المقبلة.
استياء عارم
ونقلت مواقع التواصل الاجتماعي جزءا من الاستياء والغضب الذي واجهت به الجالية المغربية هذه “الفوضى” وسوء التنظيم.
وخرج العشرات من المهاجرين في مسيرة احتجاجية نهاية الأسبوع الماضي بالمعبر الحدودي، مستنكرين الظروف التي تتم فيها عملية العبور.
وانتقد عدد منهم بشدة “التكرفيص” الذي يتعرضون له والجوع والعطش مع طول الانتظار، رافضين البطء الذي تجري به عملية مراقبة الوثائق والسيارات على الجانب المغربي، ومطالبين بالعمل على حل هذه المشكلة.
Un petit message aux responsables, afin de faciliter l'entrée des RME au pays. Le succès de l'opération #marhaba2022 est en péril si la situation perdure. A bon entendeur, Salaam Oualikoum. https://t.co/q04n4d3l0m
— Rayane ???? (@ecologiste69) July 2, 2022
وربطت بعض التدوينات بين الأموال الكبيرة التي يتم تحويلها من طرف الجالية المغربية والتي تساعد الاقتصاد المغربي، وغياب العناية بهذه الفئة من قبل المسؤولين المغاربة، بما في ذلك أثناء موسم الصيف وعودتهم لزيارة أقاربهم، وهو ما اعتبروه استغلالا لهم.
كما تظهر مقاطع الفيديو المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لجوء مغاربة المهجر إلى منبهات سياراتهم في شكل احتجاجي على ظروف العبور.
وقالت تنسيقية مغاربة إسبانيا إنه ورغم فتح الحدود الجغرافية لازالت هناك حدود إجرائية تمنع أفراد الجالية المغربية من دخول البلد، وزيارة أهاليهم وذويهم، مطالبة الحكومة التي يرأسها عزيز أخنوش بالرفع من عدد الموظفين وشبابيك الاستقبال بمعبري سبتة ومليلية، لتقديم الخدمات في جو من السلاسة والتخفيف من حالات الازدحام والانتظار، وما قد يترتب عنهما من مشاكل، مع اعتماد المرونة في الإجراءات الصحية.
ارتجال وغياب المسؤولين
وفي تصرح لموقع “لكم” قال جمال الدين ريان رئيس مرصد التواصل والهجرة إن عملية مرحبا تعرف ارتجالا، ورغم أنها تنظم لسنوات عدة، إلا أن نفس الأخطاء والمشاكل تتكرر.
وحذر ريان من تفاقم المشاكل أكثر مع العيد وفي ظل استمرار توافد الجالية في شهر غشت، وحتى أثناء العودة نحو أوروبا.
وسجل ريان العديد من الإكراهات التي تعترض الجالية المغربية، بدءا بغياب الشروط الضرورية بمراكز الاستقبال، وارتفاع أسعار تذاكر السفر، وإكراهات مرتبطة بتحاليل “PCR” التي قد تتجاوز مدة صلاحيتها بسبب طول الانتظار.
ويحصل ذلك، يضيف رئيس مرصد التواصل والهجرة، في الوقت الذي تغيب فيه حقيبة وزارية مكلفة بمغاربة العالم، التي تم إسنادها لبوريطة المنشغل في قضايا أخرى تنسيه الجالية ومشاكلها، واكتفاء مسؤولي الوزارة بالجلوس في مكاتبهم بدل التواجد إلى جانب المهاجرين لحل مشاكلهم.
واعتبر المتحدث أن وزير الخارجية لا يقدر على تحمل مهام الجالية، خاصة وأنه يرفض الاجتماع والتواصل مع فعاليات مغاربة العالم، مسجلا الغياب التام للتواصل من طرف وزارة الخارجية مع الجالية.
كما توقف رئيس المرصد على غياب البرلمانيين أمام هذه المشاكل التي تتخبط فيها الجالية، منتقدا قيامهم في وقت سابق بزيارة للمعابر الحدودية والتقاط الصور، واختفائهم بعد بدء المعاناة.
وشدد ريان على ضرورة التدخل لإيجاد حلول مستعجلة، فبحكم العلاقات الجيدة مع إسبانيا يمكن فسح المجال للجمارك للقيام بالمراقبة في الموقف حيث تنتظر السيارات بدل الازدحام على بوابة الدخول.
وخلص رئيس مرصد الهجرة إلى التأكيد على ضرورة أن تكون للجالية المغربية وزارة مستقلة خاصة بها، لاسيما وأن إسناد هذا القطاع لوزير منتدب لدى بوريطة في السنوات الأخيرة نجمت عنه عدة مشاكل سواء مع عبد الكريم بنعتيق او نزهة الوفي، الوزيرين المنتدبين السابقين على رأس هذه الوزارة الملحقة التي ظلت دائما مجرد بناية شبح في شارع فرنسا بالرباط، تنهك ميزانية الدولة ومصدر آخر لهدر المال العام “السايب”.
