رواية “وجع النوارس”.. أو امتداد الجرح الريفي المعاصر
“وجع النوارس” عمل أدبي صدر حديثا ضمن منشورات دار الموجة بالرباط للكاتبة الريفية نزيهة أحيذار، وهو عمل أدبي يتجاوز التصنيف التقليدي، ويتحرك بين الرواية والسيرة والشهادة، ولعل “أدب الذاكرة” هو الإطار الأقرب إليه.
تستعيد الكاتبة من خلاله تاريخ الريف وذاكرته الحية/المنسية، عبر سرد شيق وتمكن واضح من تقنياته، بما ينسجم مع طبيعة الذاكرة الريفية المتشظية. كما تتحول التفاصيل اليومية، من البيت والطبيعة إلى الأغنية والطقوس والسهل والوادي والعرف والرحيل والانتظار، إلى علامات تختزن ذاكرة المكان. وتبرز السواني وسهل ووادي النكور بوصفها أكثر من جغرافيا، بل ذاكرة حية تحمل تاريخ الريف وجرحه وتحولاته.
شخصيا، لا آتي بجديد حين أقول: نادرا هي الكتابات التي تجعل الإنسان، وهو يقرأ عملا إبداعيا ما، يشعر منذ الصفحات الأولى بأنه ليس مجرد قارئ لها، بل مشارك في صياغتها، وقليلة هي النصوص التي تؤلم القارئ حين يكتشف أن النص الذي بين يديه مؤلم بما يقوله وبما يخفيه أيضا، وبما يؤجل قوله. هناك نصوص تترك القارئ معلقا بين المكتوب والمؤجل، بين ذاكرة استطاعت أن تتكلم وذاكرة ما تزال تبحث عن لغتها، نص يصعب الاطمئنان إلى تصنيفه لأنه يرفض أن يستقر داخل القوالب المألوفة للأجناس الأدبية التقليدية.
في الحالة الريفية تبدو هذه الكتابة أكثر تعقيدا، لأن التجربة نفسها عصية على الاختزال، ولأن التاريخ والذاكرة والسيرة والحكاية والشهادة تتداخل داخلها بصورة تجعل الفصل بينها أشبه بمحاولة فصل الماء عن مجراه الطبيعي. وهذا ما يجعل استحضار ملاحظة الناقد عبد القادر الشاوي حول هذا العمل ذا دلالة خاصة وتحفيزا لاكتشاف العمل.
الماضي الذي يعيش داخل الحاضر
«وجع النوارس» تستعيد الماضي لا لكي تستقر فيه، وإنما لكي تبحث عما بقي منه داخل الحاضر. طفولة الكاتبة ومراهقتها وشبابها ليست مجرد مادة نوستالجية تستعاد لاسترجاع زمن جميل مضى، بل طبقات من الذاكرة تكشف أن كثيرا مما نعتقد أنه انتهى ما يزال حاضرا في الوعي الريفي المعاصر. تبعات تجنيد الريفيين قسرا في محرقة الحرب الأهلية الإسبانية، ومعاناة أهالي المجندين، والقهر والظلم الذي جلبه الغرباء، والعرف والسلطة، والاقتلاع من الأرض، والهجرة، وصعوبة التعليم، لم تغلق ملفاتها بمجرد انتهاء الأحداث التي صنعتها، وإنما واصلت وجودها في النفوس والعلاقات والأمكنة والذاكرة. الماضي في هذا العمل ليس وراء الحاضر، بل يعيش داخله، يتخفى في سلوك الشخصيات، وفي خوف النساء، وفي علاقة الإنسان بالأرض، وفي الأغاني التي تستعيد التاريخ، وفي البحر الذي تغيرت وظيفته من مصدر للرزق إلى طريق محتمل للرحيل والموت.
ولهذا يبدو المكان في «وجع النوارس» أشبه بجهاز عصبي يحمل ذاكرة النص كلها. السواني وسهل النكور ليسا مجرد خلفية جغرافية تتحرك فوقها الشخصيات، وإنما مركزان تتشظى منهما الحكاية ثم تعود إليهما. البيت الريفي الطيني البسيط في السواني يفتح الطريق نحو الحسيمة، والمدرسة، والداخلية، والجزائر، وإسبانيا، والبحر، والمطار، لكن كل هذه المحطات، وعبر تعدد الرحلات والاتجاهات، مهما ابتعدت، تظل مشدودة إلى ذلك المكان الأول. السواني ليست مجرد قرية، والنكور ليس مجرد سهل، ووادي النكور ليس مجرد مجرى للمياه؛ إنها أسماء تختزن طبقات من الحياة والعمل والطفولة والفلاحة والصيد والعلاقات الاجتماعية تشكل أساس الذاكرة الجماعية.
وادي النكور وذاكرة التحول
وتتسع دلالة الوادي حين نستحضره في مقارنة أدبية مع وادي العيون في «مدن الملح»، خصوصا في «التيه» لعبد الرحمن منيف. المقارنة لا تعني تطابق التجربتين أو السياقين، وإنما تكشف وظيفة مشتركة للمكان حين يتحول الوادي من عنصر طبيعي إلى حامل للتحولات التاريخية والاجتماعية. في «التيه» يصبح وادي العيون شاهدا على دخول عالم جديد يقلب توازنات المكان والمجتمع، وفي «وجع النوارس» يصبح وادي النكور شاهدا على انتقال الريف من زمن كانت فيه الأرض والماء والعمل الجماعي تشكل إيقاع الحياة إلى زمن تتدخل فيه الجرافات والسلطة الوافدة والغرباء والتحولات الاقتصادية والاجتماعية لتعيد تشكيل المجال الأصيل.
كلا الوادين يحملان ذاكرة المكان، لكن لكل منهما خصوصيته التاريخية. وإذا كان وادي العيون يحمل في «مدن الملح» ذلك النفس الثقيل للتحول الذي يقتلع عالما ويؤسس عالما آخر، فإن وادي النكور يحمل في «وجع النوارس» نفسا ريفيا مثقلا بما تراكم فوقه من جراح. إنه نفس سيئ الحظ، ليس لأن الوادي فقد طبيعته فقط، وإنما لأن المكان نفسه بدأ يشعر بأن ما يحدث حوله يتجاوز مجرد تغيير عمراني، ليصبح تغييرا في معنى الوجود.
يظهر الإجهاز على سهل النكور بالجرافات سنة 1979 في «وجع النوارس» باعتباره لحظة مفصلية في علاقة الإنسان بالمكان. اللغة التي تستخدمها الكاتبة، مثل الاغتصاب والاغتيال والمجزرة وفض بكارة النكور ومذبحة النكور، تمنح الحدث بعدا يتجاوز العمران والهندسة. الأرض تظهر كجسد، والجرافة كأداة اقتحام، والاقتلاع يصبح فعلا يمس الذاكرة بقدر ما يمس التراب. لكن مفردة «الاغتصاب» لا ينبغي أن تقرأ هنا باعتبارها مجازا منفصلا عن التاريخ الريفي، فهي تحيل أيضا إلى ذاكرة الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها العسكر إبان انتفاضة 1958/1959، حين تعرض سكان الريف لأشكال قاسية من القمع والعنف.
وبذلك يصبح الاغتصاب في النص كلمة تحمل تاريخا كاملا من انتهاك الجسد والكرامة والمجال، وتتجاور صورة المرأة التي انتهك جسدها مع صورة الأرض التي انتهكتها الجرافات، لتكشف الاثنتان عن بنية واحدة من سلب الحق في امتلاك الجسد والمكان والمصير.
الجسد والأرض والمصير
صديقة العمة التي تعرضت للاغتصاب الجماعي واضطرت إلى الرحيل نحو المجهول ليست حادثة منفصلة عن هذا التاريخ، كما أن شخصية فريدة التي حرمت من حبيبها وأجبرت على الزواج بمن لا تريد ليست مجرد ضحية لعلاقة عاطفية فاشلة، بل هي أنثى اصطدمت أحلامها الحرة بسلطة العرف، وقعت إدانتها للمجتمع وأحكامه بوصلة مؤثرة من إزران وهي تدخل زواجا لا تريده. والأرض التي جرفتها الآليات، والشاب الذي ترغمه الظروف على ركوب أمواج البحر بحثا عن أرض آمنة على الضفة الأخرى، كلها صور مختلفة لفقدان حق أساسي هو حق الإنسان في تقرير مصيره.
الجسد حين يسلب منه حقه يصبح مستباحا ومشاعا للآخر، والمرأة حين يحرمها العرف من اختيار حياتها تصبح حياتها ملكا للجماعة، والأرض حين تجرفها الجرافات تفقد حقها في الاحتفاظ بذاكرتها، والشاب حين يدفعه الواقع إلى البحر يصبح مستقبله معلقا بين ضفتين. هنا تبدو لنا السلطة المستبدة، سواء نظاما أو سلطة مجتمع، عندما تسلب الفرد سيادته، تحول الجسد إلى أداة ومساحة لتنفيذ رغباتها وأهدافها حسب ميشيل فوكو.
تتجسد هذه المفارقة بقوة في شخصية فريدة، فهي «العصفورة الجميلة» التي يفترض أن تحلق، لكنها تجد نفسها محاصرة داخل نظام اجتماعي يرسم لها مسار حياتها. شخصية العم حسن، بما تحمله من تسرع/تخنديف في اتخاذ القرارات، تكشف الوجه الآخر للعرف حين يتحول من آلية لتنظيم الجماعة «أجماعث» إلى سلطة رمزية تتدخل في أكثر المناطق خصوصية في حياة الفرد الريفي.
ولذلك لا تختصر مأساة فريدة في الحب، بل تتحول إلى سؤال اجتماعي حول المرأة الريفية وحقها في تحديد وامتلاك مستقبلها. العصفورة هنا لا تعجز عن الطيران لأنها لا تملك جناحين، وإنما لأن الفضاء الذي يفترض أن تحلق فيه مغلق أمامها.
إزران: ذاكرة بصوت المرأة
وتأتي إزران، «الشعر الريفي»، لتمنح هذا الجرح لغة أخرى. الشعر الريفي الذي تنظمه المرأة ليس زينة فولكلورية ولا خلفية صوتية للأحداث، وإنما أرشيف شعبي متواتر يحمل ما عجزت المؤسسات الرسمية وغرباء الثقافة عن حمله. المرأة التي لم تكن تملك مؤسسة تكتب بها التاريخ امتلكت صوتا تحفظ به الحب والفقد والمآسي والأعراس والمقاومة والأحداث السياسية. ولذلك تتحول المرأة في «وجع النوارس» من موضوع للتاريخ إلى منتجة للذاكرة. إزران يصبح وثيقة شفوية، والأغنية تصبح شهادة، والقصيدة تصبح مكانا تختبئ فيه الذاكرة حين تضيق بها الوثائق الرسمية.
وتزداد أهمية إزران حين يرتبط بذاكرة محمد بن عبد الكريم الخطابي، أو مولاي محند كما بقي حاضرا في الوجدان الشعبي الريفي. حتى حين تحاول المناسبة الرسمية توجيه الأغنية نحو تمجيد الدولة المركزية خلال انتفاضة الريف، تنحرف الذاكرة الشعبية في اتجاه آخر وتعود إلى مولاي محند.
هذه اللحظة تكشف أن التحكم في المناسبة لا يعني بالضرورة التحكم في الذاكرة، وأن السلطة قد تستطيع تنظيم المشهد لكنها لا تستطيع دائما أن تتحكم في المعنى الذي يستقر في الوعي الشعبي الريفي. المرأة التي تنشد إزران تستعيد تاريخا قد لا يكون هو التاريخ الذي تريد السلطة سماعه، ولذلك يصبح الشعر شكلا هادئا من أشكال المقاومة الرمزية.
أما أرفوجث فتمنح هذه الذاكرة فضاءها الجماعي. إنها ليست مجرد فرجة أو طقس احتفالي، وإنما مؤسسة ثقافية شعبية تحفظ الذاكرة من خلال الأداء الجماعي. في هذا الفضاء المفتوح الذي يؤثثه الشعر والرقص بما فيه من تعابير الجسد، يتجاوز الفرح والألم، وتلتقي الحياة بالتاريخ، ويتحول الغناء والرقص والحكاية إلى طريقة لإعادة تمثيل الجماعة لنفسها. ما لا تحفظه الوثيقة يمكن أن تحفظه الذاكرة الجسدية للأداء، وما لا يبقى في الكتب يمكن أن يبقى في أصوات النساء وحركاتهن وأغانيهن.
مورينو: حارس الذاكرة
وفي قلب هذا العالم يظهر مورينو، المجذوب الذي لا تنحصر وظيفته في غرابة الشخصية، وإنما تتحدد في علاقته السرية بالمكان. شارك في محرقة الحرب الأهلية الإسبانية، وعاش خارج الريف، ثم عاد إلى السواني حاملا تجربة جعلته يبدو كمن يعرف شيئا لا يعرفه الآخرون. يجوب مسالك القرية وجنانها، يتحدث بحرية، يبوح بمكنونات المكان، يحث الأطفال على التعلم، ويتنبأ بمصير السواني والنكور.
إنه حارس ذاكرة غير مكتوبة، وصوت معرفة لا تمر عبر المؤسسات الرسمية. وإذا كانت الذاكرة المحلية تسمح باحتمال مطابقته مع شخصية عرفت باسم آخر ربما، فإن ذلك يظل احتمالا يحتاج إلى الحذر، لأن القيمة الأدبية لمورينو لا تتوقف على مطابقته لشخص حقيقي، وإنما على الوظيفة التي يؤديها بوصفه ضمير المكان وحافظ أسراره.
ويتصل مورينو بذاكرة الأب، التي تفتح الرواية على عالم يتجاوز حدود الريف إلى الحرب الأهلية الإسبانية والجزائر والهجرة. إصابة الأب ومقتل أخيه، ثم بقاؤه عدة أيام في الغابة إلى جانب قبر أخيه من دون ماء أو غذاء، تجعل الحرب جزءا من الذاكرة العائلية، لا مجرد حدث تاريخي بعيد. الريفي هنا يدخل في تاريخ أكبر من جغرافيته، وتصبح إسبانيا والجزائر امتدادا لتجربة المكان.
الأغاني التي يرددها الأب، من غارسيا لوركا إلى ملحمة دهار أوباران وأغنية الروخوس والأغنية الجزائرية، تؤكد أن الذاكرة الريفية لم تكن مغلقة على نفسها، بل كانت تتنفس عبر المتوسط وتتبادل التأثيرات والأصوات.
الريف في فضاء متوسطي
وتأتي ماريا والفلامنكو لتضيفا بعدا آخر لهذه العلاقة مع إسبانيا. فإسبانيا ليست في النص مجرد ذاكرة حرب وقمع، وإنما فضاء إنساني وثقافي. الفلامنكو يقف إلى جانب إزران، وغارسيا لوركا يقف إلى جانب الشعر الريفي، والأغنية الجزائرية تتجاور مع الأغاني المحلية، فتتشكل فسيفساء ثقافية تجعل الريف جزءا من فضاء متوسطي واسع.
هذا التعدد في الأصوات لا يشتت هوية النص، بل يكشف أن الهوية الريفية نفسها تشكلت عبر الاحتكاك والتبادل والهجرة والحرب والعبور.
وتأخذ المدرسة موقعا موازيا في هذا البناء، لأنها تمثل في الوقت نفسه الحلم والخوف. المسيد والفقيه ويوم السوق الأسبوعي، ثم المدرسة وقسم الشهادة، وبعدها الحسيمة والإعدادي والداخلية، كلها مراحل في رحلة فتاة تحاول الانتقال من حدود القرية إلى فضاء أوسع. التعليم هنا ليس مجرد اكتساب للمعرفة، وإنما إمكانية لامتلاك المستقبل.
لذلك تصبح العقبات التي تواجه الفتاة في طريق الدراسة جزءا من الصراع الأكبر حول حق المرأة في اختيار حياتها. وعندما يصل السرد إلى الحسيمة متزامنا مع انتفاضة 1984، يصبح التعليم نفسه محاصرا بالخوف، ويكشف هروب التلميذة مع جارتها إلى البادية عن تداخل الخاص بالعام، والحلم الشخصي بالقلق السياسي.
جرحان يفصل بينهما الزمن
تتداخل انتفاضة 1958/1959 مع انتفاضة 1984 داخل الذاكرة مثل جرحين يفصل بينهما الزمن ولا يفصل بينهما أثرهما في الوعي. الأولى تحمل ذاكرة القمع العسكري والانتهاكات، والثانية تستعيد في الجيل التالي صورة أخرى من الاحتجاج والاضطراب والخوف. الأحداث السياسية لا تظهر كتواريخ معلقة خارج حياة الناس، وإنما تدخل إلى البيوت والمدارس والعلاقات والذاكرة. ولهذا يصبح الجرح الريفي امتدادا لا حدثا؛ إنه يتغير في الشكل لكنه يحتفظ بجوهره، وينتقل من جيل إلى آخر كما تنتقل الذاكرة العائلية.
وتتجمع هذه المعاني في مشاهد الفقدان الكبير التي توزعها «وجع النوارس» على مسارات مختلفة: الأب يفقد أخاه، المرأة تفقد حقها في اختيار حياتها، الأرض تفقد شكلها وذاكرتها، والشاب يفقد الأمان حين يدفعه اليأس إلى البحر. الفقد هنا ليس موضوعا واحدا، بل بنية مشتركة تجمع الإنسان والأرض والمرأة والمكان. ولهذا يصبح الجرح الريفي جرحا متعدد الأجساد، لا يمكن حصره في التاريخ السياسي وحده ولا في العلاقات الاجتماعية وحدها، ومع ذلك لا يسمح للحزن بأن يبتلع الحياة.
التويزة وأرعنصاث وطقوس ليلة أرحني وتراتيل إنشاد «سبحان الرازق» وإزران نارايس والرقص والحب والطبيعة كلها تستعيد ريفا يعرف الألم لكنه لا يتوقف عن إنتاج الفرح. هذه التفاصيل مهمة لأنها تمنع النص من الوقوع في صورة ريف ضحية بشكل دائم.
الريف يغني وهو يتذكر، ويحتفل وهو يحمل الجروح ويحافظ على ذاكرته حتى عندما تتغير الأرض من حوله.
وتدخل النباتات والطبيعة في هذا النسيج بوصفها خزانا حسيا للمكان. الأشجار والحدائق والروائح والماء والفصول والنباتات تستعيد الريف لا باعتباره خريطة، وإنما باعتباره تجربة حسية. والدفلى، بوصفها نباتا، تندرج داخل هذه السردية الطبيعية والرمزية، لا داخل الشخصيات.
حضورها يمكن أن يستثمر جمال الطبيعة وتناقضاتها، بما في ذلك المفارقة بين الجمال والخطر، دون أن تتحول إلى شخصية بشرية أو «معشوقة» مستقلة في البناء السردي. وبذلك تصبح النباتات جزءا من ذاكرة المكان مثل الأشجار والماء والروائح، تحفظ تفاصيل الريف بقدر ما تحفظها الشخصيات.
بين السيرة والتخييل
وتأتي نيليا لتزيد الالتباس بين التجربة الشخصية والتخييل. هل هي الكاتبة نفسها؟ أم صورة منها؟ أم شخصية مستقلة تستعير من تجربتها؟ لا يبدو أن حسم هذا السؤال ضروري، لأن قوة الشخصية تكمن في المنطقة المعلقة بين الذات والتخييل. الذاكرة عندما تدخل الأدب لا تعود نسخة فوتوغرافية من الواقع، بل تتحول إلى مادة يعيد الوعي والخيال واللغة تشكيلها.
وهذا ما يفسر عدم استقرار «وجع النوارس» بين الرواية والسيرة والشهادة؛ فالعمل يتحرك في المسافة التي يصبح فيها الواقع مادة للأدب دون أن يفقد أثره الواقعي.
وتظل الأم الخيط الأكثر حساسية الذي يصل بداية العمل بنهايته. يبدأ النص من استيقاظ الكاتبة ليلا على أنين مخاض والدتها، أي من لحظة ولادة، وينتهي بأم تنتظر ابنها الغائب على شاطئ السواني بعد مغامرته مع أصدقائه في «الحريك». بين المخاض والانتظار تمتد حياة كاملة، وبين صرخة الولادة ونداء الفجر يتشكل قوس العمل كله.
الأم تمنح الحياة في البداية، ثم تواجه احتمال فقدها في النهاية، فتتحول من امرأة داخل الأسرة إلى صورة مكثفة لذاكرة الريف نفسه.
الأم والبحر والنوارس
ويبلغ هذا المسار ذروته في مشهد الأربعين يوما، حين تظل الأم تراقب أثر ابنها على الشاطئ ثم تقيم حفلا تراجيديا تدعو إليه نساء القرية الثكالى. تتحول المأساة الفردية إلى تراجيديا نسائية، وتصبح الأم واحدة من أمهات كثيرات يحملن الجرح نفسه. وعندما يأتي الفجر وينادي الفقيه «حي على الصلاة، حي على الفلاح»، لا يبدو النداء خاتمة دينية بقدر ما يبدو، داخل البناء الفني للنص، إشارة إلى استمرار الحياة بعد ليلة طويلة من البوح والانتظار. الرواية لا تنتهي بالموت، وإنما بالحياة وهي تستأنف طريقها رغم الموت.
البحر في هذه النهاية يستعيد كل وظائفه السابقة. كان مجالا للصيد والرزق، ثم صار فضاء للرحيل، ثم أصبح مكانا للانتظار، وتحت سمائه تحلق النوارس التي تمنح العمل عنوانه. النوارس ترى البحر من فوق، بينما ترى الأمهات البحر من الشاطئ، ويعبر الأبناء البحر بحثا عن مستقبل آخر.
هذه المسافة بين من يحلق ومن ينتظر هي جوهر الوجع. الحرية التي توحي بها النوارس ليست حرية مكتملة، لأن الإنسان الذي يترك المكان يحمل ذاكرته معه، ومن يفقد المكان لا يستطيع أن يفقده فعليا لأنه يسكنه في داخله.
شبكة من الأجساد والأمكنة والأصوات
تتضح بذلك بنية «وجع النوارس» بوصفها شبكة من الأجساد والأمكنة والأصوات. جسد المرأة يحمل جرح العنف والعرف، وجسد الأرض يحمل أثر الجرافات، جسد الأب يحمل جرح الحرب، جسد الأم يحمل الانتظار، والبحر يحمل الغياب، ومورينو يحمل ذاكرة التاريخ، بينما يحمل إزران كل هذه الأصوات إلى الذاكرة الجماعية.
حتى المكان نفسه يصبح جسدا؛ سهل النكور جسد جرى اقتلاعه، ووادي النكور ذاكرة جارية، والسواني جسد طفولة لم تعد كما كانت. هنا ضرورة التوقف عند الغلاف الخارجي التجريدي الذي تم تصميمه للكتاب، الذي يأخذ موقعه ومكانه الطبيعي ويحيلك إلى لحظة تأمل نادرة.
ولهذا فإن «امتداد الجرح الريفي المعاصر» ليس مجرد عنوان فرعي، وإنما صيغة دقيقة تلخص البناء العميق للعمل، حسب رأيي المتواضع. الجرح الذي فتحته انتفاضة 1958/1959 لم ينته بانتهاء القمع، والجرح الذي أصاب المرأة لم يبق في حياتها الخاصة، والجرح الذي أصاب النكور لم ينته بانتهاء الجرافات، والجرح الذي يصنعه البحر لا ينتهي بمجرد وصول المهاجر الريفي إلى الضفة الأخرى. الجرح يتحول من حدث إلى أثر، ومن أثر إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى سرد، ومن سرد إلى محاولة لاستعادة السؤال الوجودي.
المكان مرآة للتحولات
هنا تلتقي «وجع النوارس» مرة أخرى مع تقليد روائي عربي أوسع جعل المكان مرآة للتحولات التاريخية. وإذا كان عبد الرحمن منيف قد جعل في «مدن الملح» الوادي والمدينة والصحراء مساحات تكشف دخول عالم جديد واقتلاع عالم قديم، فإن «وجع النوارس» تستعيد وادي النكور وسهل النكور والقرية والبحر لكي تكشف تحولات الريف من الداخل، لا عبر مشروع نفطي أو مدينة تتشكل، وإنما عبر القمع والاقتلاع والتحولات الاجتماعية والهجرة.
«التيه» و«وجع النوارس» يلتقيان في حساسية المكان الذي يفقد شيئا من ذاته تحت ضغط التحولات، لكن خصوصية «وجع النوارس» تكمن في أن هذا التحول يمر أساسا عبر الذاكرة الأنثوية والريفية، وعبر التفاصيل الصغيرة التي لا تدخل عادة في كتابة التاريخ الكبير.
ومن الناحية الفنية، يتوافق تشظي السرد مع تشظي الذاكرة. الماضي لا يعود في خط مستقيم، وإنما يظهر في صورة أو أغنية أو رائحة أو شخصية أو مكان. لذلك فإن انتقال الرواية بين الأزمنة والأمكنة لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره خللا في البناء، بل باعتباره محاكاة لطريقة عمل الذاكرة نفسها.
الذاكرة لا تسير في طريق مستقيم؛ إنها تنهض، تعود، تستدعي، تنسى، ثم تستعيد ما ظنناه ضاع. واللغة السلسة التي طوعتها الكاتبة نزيهة أحيذار تمنح هذه الشظايا قدرة على الالتقاء، بينما تضيف النصوص الشعرية بالعربية والإسبانية والأمازيغية الريفية طبقات صوتية تكشف تعدد روافد الذاكرة الثقافية الريفية.
المرأة منتجة للسرد والذاكرة
المرأة في هذا البناء ليست موضوعا للتاريخ فقط، وإنما تصبح صاحبة ذاكرة ومنتجة للسرد. فاطمة وفريدة والجارة والعروس والأم والنساء الثكالى ونيليا والكاتبة نفسها تتقاطع أصواتهن لتشكيل سردية ريفية من زاوية الأنثى.
ولذلك فإن وصف العمل بأنه «صرخة أدبية نسوية وزغرودة إنذار» ليس مجرد توصيف بلاغي، لأن الزغرودة نفسها يمكن أن تحمل الفرح والحزن، كما يحمل الريف الحياة والموت والأمل والجرح في الوقت نفسه.
كل هذه الأصوات والأمكنة والذكريات تتحول في النهاية إلى أرشيف ريفي غير رسمي. أرشيف لا تقوم مواده على الوثائق وحدها، وإنما على إزران وأرفوجث والحكاية والأغنية والمكان والطبيعة والوجوه والذاكرة العائلية. ما لم تحفظه المؤسسة يمكن أن تحفظه امرأة في قصيدة، وما لم يسجله المؤرخ يمكن أن يبقى في ذاكرة أم، وما لا يبقى في الأرض يمكن أن تحفظه حكاية، وما تهدمه الجرافة يمكن أن تستعيده الكتابة.
مقاومة النسيان
ولهذا لا تريد «وجع النوارس» من القارئ الريفي بالأساس أن يبكي على ريف مضى، بقدر ما تدفعه إلى السؤال عما بقي من ذلك الريف داخل ذاته الجماعية المعاصرة. ماذا بقي من فريدة في نساء اليوم؟ ماذا بقي من إزران في الذاكرة الجديدة؟ ماذا بقي من النكور في أبناء غادروا أرضه؟ ماذا بقي من مورينو وحكمته؟ ماذا بقي من مولاي محند في الوجدان الشعبي الريفي؟ ماذا بقي من حلم التعليم الذي حملته الفتاة الريفية؟ وماذا بقي من الأمهات اللواتي كان البحر بالنسبة إليهن مصدرا للرزق ثم صار طريقا إلى المجهول؟
الجواب الذي يقترحه العمل ليس أن الماضي يمكن استعادته كما كان، وإنما أن الذات يمكن أن تستعيد قدرتها على فهم نفسها حين تستعيد ذاكرتها. الريف يمكن أن يفقد أرضا، ويمكن أن تتغير جغرافيته، ويمكن أن يرحل أبناؤه، ويمكن أن تتشظى ذاكرته، لكنه لا يفقد نفسه بالكامل ما دام قادرا على سرد ذاته الجماعية بنفسه. الذاكرة ليست ترفا، والحنين ليس ضعفا، وإزران ليس مجرد غناء، والحكاية ليست مجرد تسلية؛ كلها أشكال للبقاء.
لهذا يمكن قراءة «وجع النوارس» باعتبارها كتابة عن مقاومة النسيان أكثر مما هي كتابة عن الحزن. إنها تستعيد الريف لكي تفهم جرحه، وتستعيد المرأة لكي تكشف ما أخفاه المجتمع الريفي المعاصر عنها، وتستعيد الأرض لكي تقول إن اقتلاعها اقتلاع لجزء من الذاكرة الجماعية، وتستعيد إزران لكي تؤكد أن التاريخ يمكن أن تحفظه قصيدة، وتستعيد البحر لكي تكشف كيف تحول الأفق من وعد بالحرية إلى فضاء للمخاطرة والانتظار، وتستعيد الطبيعة لكي تحفظ ما تبقى من صورة المكان.
من المخاض إلى الفجر
ولهذا تلتقي بداية العمل بنهايته في صورة الأم. مخاض في البداية وانتظار في النهاية، ولادة في جهة وفقد في الجهة الأخرى، وبينهما تاريخ مجتمع كامل. صرخة المخاض ونداء الفجر يحيطان بالحكاية، وكأن النص يقول إن الريف، مهما أثقلته الجراح، لا يتوقف عن إنتاج الحياة.
«وجع النوارس أو امتداد الجرح الريفي المعاصر» ليست حكاية عن ريف حزين بقدر ما هي حكاية عن ريف يقاوم أن يتحول حزنه إلى نسيان. إنها كتابة تجعل من الجرح مادة للذاكرة، ومن الذاكرة مادة للسرد، ومن السرد محاولة لترميم ما تحطم دون ادعاء القدرة على محو الجرح. الجرح قديم، لكنه لم يمت؛ تغيرت أشكاله وانتقلت آثاره من جرائم القمع العسكري في 1958/1959 إلى آثار العرف، ومن الأرض إلى الهجرة، ومن الخوف إلى الاغتراب، ومن البحر إلى الانتظار، ومن الفرد إلى الجماعة.
والنوارس، في نهاية القراءة، لا تعود مجرد طيور تحلق فوق البحر. إنها ذاكرة تتحرك فوق المكان، تحمل صورته ولا تستطيع السلطة ولا الزمن ولا الرحيل أن تمنعها من العودة إليه. ووجعها ليس دليلا على موت الحرية، بل على أن الحرية نفسها أصبحت مرتبطة بسؤال المكان والذاكرة والانتماء.
كتابة تستعيد البوصلة
إن قيمة «وجع النوارس» تكمن في أنها لا تقول لنا فقط إن الريف تألم، وإنما تجعلنا نرى كيف تشكل الألم، وكيف انتقل، وكيف تحول إلى ذاكرة، وكيف استطاعت المرأة والشعر والمكان والحكاية والطبيعة أن تمنعه من التحول إلى نسيان. ولذلك يضع العمل نفسه في قلب سؤال الهوية والانتماء والذاكرة، لا عبر الشعارات، وإنما عبر فريدة وفاطمة والأب ومورينو وماريا ونيليا والأم والنساء الثكالى، وعبر السواني والنكور ووادي النكور وأرفوجث والمدرسة والبحر، وعبر الأشجار والنباتات التي تحفظ هي الأخرى شيئا من ملامح المكان.
إنها محاولة لاستعادة البوصلة بعد أن تاه الطريق، كتابة تشد اللجام لا للعودة إلى الماضي وحده، وإنما للعثور على الطريق الذي يمكن أن يقود إلى استعادة الذات والكرامة والأمل. لا تغلق «وجع النوارس» الجرح ولا تدعي شفاءه، لكنها تجعله مرئيا، تمنحه صوتا، وتمنع دفنه تحت طبقات النسيان.
ويبقى السؤال الذي يتركه النص مفتوحا أمام القارئ: ماذا يحدث لمجتمع حين يفقد أرضه وذاكرته وأبناءه، ثم يحاول بعد كل ذلك أن يستعيد نفسه؟
ربما تكون الإجابة الأعمق التي تقترحها «وجع النوارس» أن الاستعادة تبدأ من الذاكرة؛ من الأم التي تتذكر، ومن المرأة التي تنظم إزران، ومن المكان الذي يستعيد أسماءه، ومن مورينو الذي يبوح، ومن الطفل الذي يتعلم، ومن العروس التي تغني وجعها، ومن الطبيعة التي تحفظ تفاصيل المكان، ومن الكتابة التي تلتقط الشظايا المتناثرة وتحاول جمعها في معنى واحد.
الريف ما يزال بخير
فالريف في «وجع النوارس» لا يطلب الشفقة، وإنما يطلب أن يُفهم. ولا يستعيد جراحه لكي يبقى أسيرا لها، وإنما لكي يعرف من أين جاءت، وكيف امتدت، وكيف يمكن أن يبدأ ترميم الذات قبل أن يفوت الأوان.
لهذا لا يعود «وجع النوارس» مجرد عنوان لعمل أدبي، وإنما يصبح اسما لذاكرة كاملة: نوارس موجوعة لكنها ما زالت تحلق، وريف مجروح لكنه لم يفقد القدرة على الحلم.
وأخيرا، وليس آخرا، فالريف الذي أنجب مبدعة مثل نزيهة أحيذار، وقادها إلى كتابة «وجع النوارس»، ما يزال بخير، حيا وقادرا على إنتاج الجمال والأمل. ومن هذا العمل يبدأ التفاؤل والشوق إلى ما ستسطره هذه المبدعة في إنتاجاتها المقبلة، بعدما فاجأت الساحة الثقافية الريفية بهذا النص وأثبتت أن الريف ما يزال يملك ما يقوله، وما يستحق أن يُكتب.
