تحليل إخباري | فوزي لقجع.. من إدارة ميزانية الدولة وملاعب كرة القدم إلى قلب رهانات ما بعد انتخابات 2026
في خريف عام 2003، وعلى شاشة القناة الفرنسية الثانية، وجّه الصحافي الفرنسي المخضرم آلان دوهاميل سؤالاً مباشراً إلى وزير الداخلية آنذاك نيكولا ساركوزي، الذي كان ضيفاً على برنامج “100 دقيقة للإقناع”، قال فيه: “هل تفكر في الانتخابات الرئاسية وأنت تحلق ذقنك صباحاً؟”.
كان السؤال يحمل في طياته اختباراً لطموح رجل لم يكن يخفي رغبته في الوصول إلى قصر الإليزيه. وجاء رد ساركوزي، الذي أصبح لاحقاً رئيساً لفرنسا، كاشفاً عن طموح سياسي صريح: “ليس فقط عندما أحلق ذقني”.
بعد أكثر من عقدين، يطرح اسم فوزي لقجع في المغرب ضمن سياق مختلف تماماً، حيث بدأ الرجل، الذي صعد من عالم الإدارة والمالية والكرة المستديرة إلى واجهة المشهد الرياضي والسياسي، يثير نقاشاً واسعاً حول مستقبله السياسي، وما إذا كان يمكن أن ينتقل من موقع المسؤول التقني إلى موقع القيادة التنفيذية الأولى في البلاد.
لكن، خلافاً للنموذج الفرنسي الذي يمر فيه الطموح السياسي عبر الأحزاب والانتخابات والتنافس العلني أمام الرأي العام، فإن مسارات الوصول إلى مواقع القرار في المغرب غالباً ما تتشكل عبر تداخل عوامل متعددة، من بينها النتائج الانتخابية، والتوازنات الحزبية، والكفاءات التقنية، وطبيعة المرحلة السياسية.
اليوم، يجلس فوزي لقجع في مكتبه بوزارة الاقتصاد والمالية، داخل واحدة من أكثر المؤسسات تأثيراً في صناعة القرار العمومي، بعدما راكم منذ تعيينه مديراً للميزانية سنة 2010 تجربة طويلة في تدبير الملفات المالية الكبرى للدولة، بالتوازي مع صعوده اللافت في كرة القدم المغربية والقارية.
ومن هذا الموقع، أصبح لقجع أحد أبرز الوجوه التي تجمع بين الخبرة التقنية والحضور العمومي، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وما يمكن أن تفرزه من تحولات في المشهد السياسي.
على مسافة خطوة
“الحقيقة أن طموح فوزي لقجع كان دائماً كبيراً، حتى وإن لم يكن يعبّر عنه بشكل مباشر، لكنه لم يكن يتصور أن يقوده مساره إلى الاقتراب من منصب رئيس الحكومة”، يقول مصدر مطلع على مساره المهني، تحدث إلى “لكم” مشترطاً عدم الكشف عن هويته.
ويضيف المصدر ذاته أن التحولات التي عرفها المشهد السياسي خلال الفترة الأخيرة جعلت اسم لقجع يبرز أكثر ضمن قائمة الشخصيات التي يمكن أن تلعب أدواراً متقدمة في المرحلة المقبلة.
ففي الوقت الذي كان فيه عزيز أخنوش يراهن على مواصلة قيادة الحكومة إلى نهاية الولاية، جاءت احتجاجات “جيل زد” وما رافقها من انتقادات للأداء الحكومي لتعيد طرح أسئلة حول قدرة الأحزاب التقليدية على امتصاص التحولات الاجتماعية الجديدة، وتدبير الملفات التي أصبحت في صلب اهتمام الشباب.
ويرى المصدر نفسه أن هذه المتغيرات ساهمت في إعادة تقييم عدد من السيناريوهات السياسية المحتملة لما بعد انتخابات 2026، مع بروز أسماء جديدة خارج المسارات الحزبية التقليدية.
ويقول: “لقجع يجيد إدارة صورته العمومية، فهو يحرص على الظهور باعتباره رجل تدبير وتقنية أكثر منه رجل سياسة، لكنه في الوقت نفسه راكم شبكة واسعة من العلاقات والخبرات التي جعلته اسماً حاضراً في أي نقاش حول مستقبل القيادة التنفيذية”.
غير أن هذا المسار، حسب المصدر نفسه، لا يعني أن وصوله إلى رئاسة الحكومة أمر محسوم، إذ تبقى رهانات الانتخابات، وتركيبة البرلمان المقبلة، والاختيارات السياسية للدولة عوامل حاسمة في تحديد شكل المرحلة المقبلة.
مصائب فاطمة الزهراء عند لقجع فوائد
بقدر ما بدأ اسم فوزي لقجع يبرز في النقاشات المرتبطة بمرحلة ما بعد انتخابات 2026، بقدر ما ظل اسم آخر حاضراً باعتباره أحد أبرز المنافسين المحتملين: فاطمة الزهراء المنصوري، القيادية في حزب الأصالة والمعاصرة ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة.
فالمنصوري، التي راكمت تجربة سياسية وحزبية منذ انخراطها في تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة وتوليها رئاسة المجلس الوطني ثم قيادة الحزب إلى جانب ثنائي باهت مثل كومبارسات، ظلت تُقدّم باعتبارها إحدى الشخصيات النسائية الحزبية الأكثر حظوة لدى الجهات النافذة في صنع القرار في المغرب.
وخلال السنوات الأخيرة، ارتبط اسمها أكثر من مرة بإمكانية لعب أدوار أكبر داخل هرم السلطة التنفيذية، خصوصاً باعتبار مصاهرتها لأشخاص نافذين في الدولة، وباعتبارها صاحبة تجربة انتخابية وحزبية وتدبيرية محلية وحكومية تختلف عن المسارات التقنية الخالصة.
وكان صعودها داخل حزب الأصالة والمعاصرة، وتوليها منصب وزيرة في حكومة عزيز أخنوش، من بين العوامل التي عززت حضورها ضمن التكهنات المتعلقة بخلافة محتملة على رأس الحكومة بعد الاستحقاقات المقبلة.
غير أن الجدل الذي أثير حولها خلال الفترة الأخيرة، وما رافقه من تسريبات وانتقادات، أثر على صورتها السياسية، بحسب مراقبين، وأعاد طرح تساؤلات حول قدرتها على الحفاظ على موقعها كأحد الأسماء البارزة في السباق نحو قيادة الحكومة.
ويقول مصدر مقرب من دوائر القرار الحزبي تحدث إلى “لكم”: “كانت المنصوري من بين الشخصيات التي يمكن أن تنافس لقجع، بالنظر إلى تجربتها السياسية والحزبية، غير أن التسريبات التي طاولتها خلال الفترة الأخيرة مست صورتها وجعلت موقعها أكثر تعقيداً”.
ويضيف المصدر ذاته أن “أي شخصية مرشحة لتحمل مسؤوليات كبرى في المرحلة المقبلة ستكون مطالبة بامتلاك سجل نظيف ورصيد سياسي قوي، وقدرة على مواجهة تحديات داخلية وخارجية متزايدة”.
لكن، وفي المقابل، فإن اختزال مستقبل المنصوري السياسي في هذه التطورات وحدها يبقى أمراً سابقاً لأوانه، خصوصاً أن المشهد الحزبي المغربي عادة ما يعرف تحولات سريعة قبل الاستحقاقات الانتخابية، وأن موازين القوى قد تتغير تبعاً للنتائج والتحالفات.
ومع ذلك، فإن تراجع حضور اسمها في النقاشات الأخيرة فتح مساحة أكبر أمام أسماء أخرى، من بينها فوزي لقجع، الذي أصبح يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز الوجوه القادرة على الجمع بين الخبرة التقنية والحضور المؤسساتي.
أوراق اعتماد لقجع
لم يكد الجدل يهدأ حول إمكانية التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة، بعد تصريحات لقيادات في الحزب تحدثت عن رغبتها في استقطابه، حتى خرج الرجل عن صمته ليضع حداً للتكهنات المتزايدة.
وقال لقجع، في تصريح لموقع “ميديا 24″، إن “لا شيء رسمياً إلى حدود الساعة”، مؤكداً أنه لم يلتحق بالحزب ولم يترشح ضمن لوائحه، لكنه ترك الباب مفتوحاً أمام احتمال دخوله العمل السياسي الحزبي مستقبلاً.
وقال لقجع: “إذا قررت ممارسة حقي الدستوري والالتحاق بأي حزب سياسي، فسأعلن عن ذلك بنفسي”.
ويرى مقربون من الرجل أن هذه الطريقة في التعاطي تعكس حرصه على التحكم في توقيت خطواته السياسية وصورتها العامة، وعدم الظهور بمظهر الشخص الذي جرى استقطابه من طرف جهة حزبية.
ويقول مصدر تحدث إلى “لكم”: “لقجع يريد أن تكون أي خطوة سياسية يقدم عليها نابعة من اختياره الشخصي، وبطريقة تحافظ على صورته كرجل دولة وتقني قبل أن يكون رجل حزب”.
ويضيف المصدر نفسه أن قنوات التواصل بين لقجع وقيادات في الأصالة والمعاصرة لم تنقطع، وأن احتمال التحاقه بالحزب ظل مطروحاً، خصوصاً إذا ارتبط ذلك بالسياق السياسي الذي ستفرزه انتخابات 2026.
غير أن الحديث عن ضمانات مسبقة أو حسم نهائي لمستقبل الرجل السياسي يبقى، حسب المصدر ذاته، أمراً غير مؤكد، بالنظر إلى أن تشكيل الحكومة المقبلة سيظل رهيناً بنتائج الانتخابات وبالتوازنات التي ستفرزها.
ويقول المصدر: “لقجع راكم رصيداً مهماً من خلال موقعه في وزارة المالية ورئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، لكن الانتقال إلى رئاسة الحكومة يظل رهانا مختلفاً، تحكمه اعتبارات سياسية ودستورية متعددة”.
شبكة نفوذ عابرة للقطاعات
بعيداً عن أضواء الملاعب والنجاحات التي حققتها كرة القدم المغربية خلال السنوات الأخيرة، بنى فوزي لقجع مساراً مهنياً جعله أحد أكثر المسؤولين حضوراً في دوائر القرار الاقتصادي والعمومي.
فمنذ توليه منصب مدير الميزانية بوزارة الاقتصاد والمالية سنة 2010، راكم الرجل تجربة واسعة في تدبير الملفات المالية الكبرى، قبل أن ينتقل حضوره إلى مجال الرياضة من خلال رئاسته للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم سنة 2014، ثم صعوده داخل هياكل الاتحاد الإفريقي والدولي لكرة القدم.
هذا الجمع بين موقع تقني حساس داخل الدولة، وحضور جماهيري واسع عبر كرة القدم، منح لقجع مساحة نفوذ تختلف عن المسار التقليدي للتكنوقراط الذين ظلوا بعيدين عن الأضواء العامة.
ويرى متابعون لمساره أن إحدى نقاط قوته تتمثل في قدرته على التحرك بين عوالم متعددة: الإدارة المالية، والرياضة، والعلاقات الدولية، والتواصل المؤسساتي، وهو ما جعله يتحول تدريجياً من مسؤول إداري متخصص إلى شخصية عمومية حاضرة في النقاشات المرتبطة بمستقبل تدبير الدولة.
ويقول مصدر مقرب من فوزي لقجع تحدث إلى “لكم”: “ما يميز الرجل هو أنه لم يبق محصوراً في وظيفة مدير الميزانية أو وزير مكلف بالمالية، بل استطاع بناء شبكة علاقات واسعة داخل مؤسسات مختلفة، مستفيداً من موقعه في ملفات استراتيجية تهم الاقتصاد والرياضة”.
ويضيف المصدر ذاته أن “لقجع أصبح يُنظر إليه باعتباره شخصية قادرة على الاشتغال في ملفات معقدة تتطلب معرفة دقيقة بتوازنات الدولة، سواء تعلق الأمر بالمالية العمومية أو المشاريع الكبرى أو العلاقات الرياضية الدولية”.
غير أن هذه الصورة لا تخلو من انتقادات، إذ يرى خصومه أن الجمع بين مسؤوليات متعددة، خصوصاً بين تدبير المال العام ورئاسة مؤسسة رياضية ذات تأثير كبير، أثار أسئلة حول تركيز النفوذ في يد مسؤول واحد.
في المقابل، يدافع أنصاره عن تجربته باعتبارها نموذجاً لمسؤول استطاع تحويل الكفاءة التقنية إلى حضور دولي، خصوصاً بعد النجاحات التي عرفتها كرة القدم المغربية، من بلوغ المنتخب الوطني نصف نهائي كأس العالم 2022، إلى تعزيز موقع المغرب داخل المؤسسات الكروية القارية والدولية.
ويقول المصدر نفسه: “لقجع فهم مبكراً أهمية الصورة والرمزية، ولم يتعامل مع كرة القدم باعتبارها مجالاً رياضياً فقط، بل باعتبارها أداة لبناء حضور وطني ودولي”.
لكن الانتقال من موقع التأثير إلى موقع القيادة السياسية يظل رهيناً بعوامل أخرى، من بينها القدرة على اكتساب شرعية انتخابية، وبناء موقع داخل المشهد الحزبي، والتعامل مع تحديات تختلف جذرياً عن طبيعة العمل التقني والإداري.
تكنوقراطي في مهمة إنقاذ؟
يرى مراقبون أن النقاش حول إمكانية صعود فوزي لقجع إلى موقع رئاسة الحكومة يعكس، في جانب منه، أزمة أعمق مرتبطة بضعف جاذبية الأحزاب السياسية وتراجع الثقة في الفاعلين المنتخبين.
فمنذ دستور 2011، الذي نص على ربط تعيين رئيس الحكومة بنتائج الانتخابات التشريعية، ظل المغرب يعيش توتراً بين منطق الشرعية الانتخابية ومنطق البحث عن كفاءات قادرة على تدبير الملفات الكبرى.
ويستحضر بعض المتابعين تجربة إدريس جطو، الذي عُيّن وزيراً أول سنة 2002 بعد انتخابات تشريعية أفرزت صعود حزب الاتحاد الاشتراكي، باعتبارها نموذجاً سابقاً لتولي شخصية تكنوقراطية قيادة الحكومة في سياق سياسي خاص.
ويقول مصدر تحدث إلى “لكم”: “قد تعيد المرحلة المقبلة طرح سؤال العلاقة بين الخبرة التقنية والمسؤولية السياسية، خصوصاً إذا أفرزت الانتخابات مشهداً يحتاج إلى شخصية قادرة على إدارة ملفات اقتصادية واجتماعية معقدة”.
لكن أي مقارنة بين تجربة إدريس جطو وفوزي لقجع تبقى مرتبطة بسياقات مختلفة، إذ إن الدستور الحالي يمنح للأحزاب والانتخابات موقعاً أكثر مركزية في تشكيل الحكومة، كما أن طبيعة المشهد السياسي تغيرت بشكل كبير خلال العقدين الأخيرين.
وفي انتظار ما ستفرزه انتخابات 2026، يبقى اسم فوزي لقجع واحداً من الأسماء التي ستظل حاضرة في النقاش حول مستقبل القيادة التنفيذية في المغرب، دون أن يعني ذلك أن مسار الوصول إلى رئاسة الحكومة قد حُسم.
ففي السياسة، كما في كرة القدم، لا تُحسم المباريات قبل صافرة النهاية، وقد تحمل الأسابيع الأخيرة قبل الاستحقاقات مفاجآت تعيد ترتيب موازين القوى والتحالفات.
