العنف السياسي… من محرقة رابعة إلى اجتثاث الكولنية
* ديباجة.
آراء أخرى
تحتفظ كتب التاريخ العربي- الإسلامي بصور بشعة من المجازر التي ارتكبت من قبل الدول المتعاقبة على الحكم، بدءً بالإنقلاب العسكري الأموي الذي أسس للحكم الوراثي، وانتهاء بما نعايشه اليوم من أحداث واضطرابات سياسية تمر منها المنطقة. وإذا كان حديثنا اليوم يقتصر على الجزء الشرقي من هذا العالم، فإننا نود الإشارة من خلال هذه المقالة التي كتبت تزامنا مع إفشال الشعب التركي للإنقلاب العسكري يوم 15 يوليوز/تموز 2016، إلى ظاهرة العنف السياسي بين الأمس واليوم من خلال النموذجان المصري والتركي.
فكيف أثرت وتؤثر “عقلية التغلب” وريثة “الأحكام السلطانية” على الأقطاب السياسية المتنازعة بالعالم العربي- الإسلامي، سواء بين معسكر الإسلاميين واللائكيين (التياران الليبرالي واليساري)، أو داخل الصف الإسلامي نفسه؟ وما أفق تدبير الاختلاف والتداول على السلطة بالمنطقة في قادم الأيام؟
1. عسكر مصر: من مذبحة القلعة إلى محرقة رابعة.
ارتبطت مصر الحديثة بدولة محمد علي باشا (1805-1848)، الذي لم يتمكن من تثبيت حكمه إلا بعد أن “طهر” البلد من بقايا النظام السابق؛ أي المماليك الذين استمروا في حكمه لأزيد من خمسة قرون (1250–1817)، بعد حادثة ما عرف “مذبحة القلعة” في فاتح مارس/آذار 1811، والتي أبيد فيها قتلا بالرصاص وذبحا بالسيوف ما بين 500 و2500 مملوكي بحسب الروايات.
بتلك المذبحة تخلص الباشا من خصومه السياسيين، لكنه لم يتخلص من عقليتهم في الحكم فحول البلد إلى دولة عسكر وراثية استمرت إلى سنة 1952، السنة التي أطاح فيها الضباط الأحرار بالملك فاروق آخر ملوك السلالة الحاكمة. وبنفس العقلية دائما أقامت “الناصرية” المشانق وأغرقت السجون بمعارضيها وخاصة من الإخوان المسلمين، الذين ظلوا يواجهون ضربات العسكر (عبد الناصر ومبارك) إلى حين اندلاع “الربيع العربي”، ليجدوا أنفسهم في سدة الحكم.
لم تكن إدارة الإخوان للحكم موفقة، ولسنا هنا بصدد تبيان أسباب ذلك، إلا الإشارة إلى معطيين أولاهما داخلي يتمثل في مغادرتهم ميدان التحرير من جانب واحد دون الأخذ برأي القوى الثورية الأخرى وقبل تنظيف أجهزة الدولة من الفساد، وثانيهما خارجي يتجسد في “السفارة الأمريكية” التي دفعت بعسكر مصر إلى استعادة السلطة من خلال “ثورة مضادة”، وفض اعتصامي رابعة والنهضة قتلا وحرقا، وفتح أبواب السجون مجددا أمام الآلاف من الإخوان ومناصريهم، وإصدار أحكام إعدام بالجملة.
2. تركيا.. من إسقاط السلطنة إلى اجتثاث الكولنية.
سبق إسقاط السلطنة العثمانية (1299-1922)، التي كانت حاضنة “الخلافة الإسلامية”، ونشأة تركيا الحديثة سنة 1924، أحداث فارقة ابتدأت في الاشتداد منذ 1908، السنة التي قادت فيها “جمعية الإتحاد والترقي” ثورة 23 يوليوز/تموز ضد السلطان عبد الحميد والتي انتهت بعزله وإعادة العمل بدستور 1876.
عملت تلك الجمعية على مدى أربعة عقود بشكل سري على تقويض دعائم السلطنة، وتمكنت خلالها من التغلغل في مفاصل الدولة بما في ذلك جهاز الجيش، وقدرت أعداد منخرطيها أثناء الثورة بالآلاف. ساهمت تلك الثورة في بناء نظام سياسي جديد كان من معالمه الكبرى نهج “سياسة التتريك” وعلمنة الدولة، وفي إضعاف السلطة المركزية وتفكيك أوصال الدولة.
ومن رحم الاتحاد والترقي ولدت “الأتاتوركية” – نسبة إلى كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة (ت. 1938)– التي أتت على ما تبقى من معالم السلطنة من خلال دستور 20 أبريل/نيسان 1924، الذي كرس علمانية الدولة، وألغى الإرث العثماني بالجملة.
بوفاة أتاتورك، ولد ما يمكن تسميته “العسكراتية” التي اعتبرت نفسها وريثة الأتاتوركية وحامية النظام العلماني للدولة، لذلك ظلت تسقط الحكومات المنتخبة التي تهدد مصالحها بمعدل انقلاب في كل عشر سنوات (1980،1971،1960). إلا أنه وفي أعقاب آخر انقلاب؛ وقع انفراج في المشهد السياسي التركي ساهمت فيه التحولات الإقليمية والدولية يومها (الغزو السوفياتي لأفغانستان، الثورة الإيرانية)، فسمح سنة 1983 بتشكيل حزب بمرجعية دينية هو “حزب الرفاه” وريث “حزب النظام الوطني” برئاسة نجم الدين أربكان.
حظيت “الأربكانية” بتقدير من الأتراك حيث تمكن الرفاه من الفوز بالانتخابات البلدية ثم التشريعية سنة 1996، قبل أن يتم حظر الحزب في 1998 بتهمة “انتهاك علمانية الدستور”، وهي السنة التي صعد فيها نجم “الكولنية”.
الكولنية ها هنا؛ نسبة إلى “جماعة كولن” التركية، التي ارتبطت بمؤسسها محمد فتح الله كولن (ولد 1941)، أحد أقطاب النورسية، الطريقة الصوفية التي قعد لها سعيد النورسي صاحب “رسائل النور” (ت. 1960)، الذي عرف بتصديه القوي للاتحاد والترقي والأتاتوركية.
ولدت الحركة هي الأخرى في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات في ظل المتغيرات السالفة الذكر، ونهجت طريق السرية للتغلغل في أجهزة الدولة من جيش وقضاء وإعلام وتعليم، وتمكنت مبكرا من خلق شبكة من الشركات والمدارس الخاصة تمددت بها خارج البلد وخاصة في جنوب شرق آسيا وإفريقيا بما في ذلك المغرب، ونذكر هنا على سبيل المثال تأثر صاحب “الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغرب”، الراحل فريد الأنصاري أحد قادة حركة التوحيد والإصلاح – الجناح الدعوي لحزب “العدالة والتنمية” الذي يرأس الحكومة المغربية حاليا – بشخصية كولن، إلى الحد الذي اعتبره أبا روحيا له، فكان أن لخص سيرته في “رواية عودة الفرسان”، كما ظل بعض الجامعيين الإسلاميين المغاربة إلى اليوم ينشرون مقالاتهم في مجلة “حراء” المقربة من الحركة.
تلتقي الأربكانية والكولنية في هدف واحد مستمد من روح “النورسية”، وهو خلق مجتمع إسلامي ملتزم ومتعلم ومنفتح على العالم بغية كسر الهيمنة الغربية على العالم الإسلامي، لكنهما تفترقان في أساليب تحقيق تلك الغاية، فالأربكانية ترى المجال الحيوي لتركيا في العالمين العربي والإسلامي، ومن هنا سعى أربكان إلى تأسيس مجموعة اقتصادية هي “مجموعة الثماني الإسلامية”، بينما تراه الكولنية في آسيا الصغرى والقوقاز والبلقان حيث الإمتداد القومي للأتراك. وكأننا أمام الانقسام الذي حصل في نهاية عهد السلطنة حين اتسع الصراع بين “الجامعة الإسلامية” و”الرابطة الطورانية”، مع اختلاف في المرجعيات والظروف والعوامل، وبالمحصلة ولد تياران داخل النورسية، الأول تمثله الأربكانية ويصنف ضمن “الإسلام السياسي”، والثاني تجسده الكولنية وينعت بـ”الإسلام الاجتماعي”.
لم تكن خلافات كولن مع الأربكانية فقط، بل تجاوزها إلى خلاف حاد مع العلمانيين الأتراك الذين اتهموه باختراق الجيش التركي لتحقيق مآرب سياسية، خاصة بعد “أزمة لقطة الفيديو”، حيث صرح في شريط مرئي أن حركته تسعى إلى قلب النظام العلماني بالبلد واستبداله بنظام إسلامي، كما أظهر خلاله عن أطماع في أوزبكستان مما وتر العلاقة بين البلدين.
تصنف الكولنية غربيا؛ على أنها حركة دعوية/اجتماعية، وتسوقها و.م.أ. وحلفاؤها على أنها نموذج الإسلام المعتدل، لذلك فتحت لها أبواب النشاط بالغرب منذ لقاء كولن والبابا سنة 1998 وهجرته نحو و.م.أ. في السنة الموالية. فافتتحت في الكثير من دول الغرب العديد من المراكز الدينية والاجتماعية وقنوات إعلامية ومجلات وشركات، وكانت الغاية من ذلك هي توظيف الثقل الاجتماعي والسياسي للحركة في تركيا لتحقيق مصالح خاصة، لذلك ظل خصومها ينعتونها “اللوبي الأمريكي” أو “حصان طروادة” الغرب في تركيا.
في الوقت الذي غادر فيه كولن نحو الخارج، كانت الأربكانية قد طورت نفسها إثر انشقاق في صفوفها، حيث أسس رفاق أربكان حزبا جديدا هو “العدالة والتنمية” تمكن من الوصول إلى الحكم في 2002، بعد أن نحج في توسيع قاعدته الشعبية بفضل جهود رئيسه رجب طيب أردوغان، ومن يومها نشأ بتركيا ما نصطلح عليه “الأردوغانية”، التي دخلت بدورها في صراع مع الكولنية، خاصة بعد أن اتهمت الأخيرة أردوغان عقب انتخابات 2011 بالسعي إلى إقامة “دولة الرجل الواحد”، والأكثر من ذلك اعتبر حكم أردوغان أسوء بكثير من حكم العسكر. أما الأردوغانية التي اهتزت من الداخل في ربيع 2016، بسبب خلاف بين الرئيس أردوغان ووصيفه أوغلو رئيس الحكومة، وتوسعت الهوة بين الرجلين بعد مطالبه الأخير فتح ملفات الفساد داخل الحزب الحاكم والحكومة التي يقودها، انتهت باستقالة أوغلو في نهاية ماي الماضي، فقد سعت إلى قص أذرع الكولنية المتسللة إلى أجهزة الدولة وطبقات المجتمع بشكل تدريجي، ونراها اليوم بعد الإنقلاب الفاشل تتهمها بشكل مباشر بتدبير، وتقوم باعتقال وعزل آلاف المحسوبين عليها وإقصائهم من كل مرافق الدولة، ولا زالت تلك العملية مستمرة إلى حدود كتابة هذا المقال.
3. مصر وتركيا.. ماذا بعد؟
نعم؛ كان الإنقلاب الفاشل بتركيا زلزالا سياسيا شديد القوة على سلم موازين القوة بالمنطقة والعالم، وكأي زلزال طبيعي ستكون له ارتدادات متفاوتة الخطورة بالمعمورة. فكيف سيدبر عسكر مصر والإخوان والأردوغانية والكولنية خلافاتهم في ظل الارتدادات الزلزالية المقبلة؟
أظهرت الأيام لعسكر مصر أن البلد لم يتقدم خطوة واحدة، وأن “أم الدنيا” في الحضيض، وثبت للإخوان أيضا حجم أخطائهم في تدبير الحكم خلال السنة التي أتيحت لهم، وتبين للجميع أن المخرج هو نهج “التشاركية” في الحكم، وتوسيع دائرة التواصل مع أطراف العمل السياسي بالبلد، وأن لا بديل عن المصالحة وإعادة بناء عملية سياسية متوازنة.
أما تركيا أردوغان المجروحة اليوم في كرامتها وديموقراطيتها؛ فلو صح أن كولن متورط في الانقلاب الفاشل فسيكون ذلك انتحار سياسي وأخلاقي للكولنية، التي ستصبح لا محالة محط ازدراء ومقت من طرف الشعب التركي، غير أن الإجراءات المتخذة اليوم في حق أنصارها تثير مخاوف داخلية وخارجية، ونعتقد أنه وجب معالجة الأزمة بكثير من الحيطة وبعد الأفق، لأنه أهون ألف مرة قطع الأعناق من قطع الأرزاق. ومن جهة ثانية بدا التعامل المهين مع “العسكراتية” تصرفا غير محمود العواقب، لا يختلف عما رأيناه في أعقاب انقلاب “السيسية” بمصر مع الإخوان وأنصارهم.
إن العالم العربي- الإسلامي بعد الزلزال التركي، يوجد في مفترق طرق وأمامه ثلاث سيناريوهات:
أ- مصالحة وإصلاح بين الأقطاب المتصارعة على الحكم، وهو ما نأمله ونتمناه لميلنا الطبيعي إلى الرفق الذي ما دخل في شيء إلا زانه على خلاف العنف، ثم لأن الصلح كله خير.
ب- مد ثوري جارف ستكون فاتورته أغلى وقد ينتهي بحروب أهلية طويلة ستزيد الطين بلة.
ج- احتلالات أجنبية ومزيد من التقسيم لهذا العالم.
إن العقلاء بالمنطقة مطالبون اليوم بوضع حد لهذا الفصل من “العنف السياسي” الذي يجتاحها، ولا مخرج إلا بتفاهمات تقطع مع “عقلية التغلب والاجتثاث” وحكم الفرد والانفراد بالسلطة الذي لن ينتج عنها سوى اقتتال داخلي لن يستفيد منه سوى أعداء الأمة الحقيقيون، وإنه لا بديل عن المصالحة والإصلاح وبناء دولة القانون والمؤسسات، وما دون ذلك فتيه في دائرة مفرغة وإعادة إنتاج للتجارب السابقة، وسير كسير حمار الرحى؛ المكان الذي انطلق منه يعود إليه.
