جواد مديدش يكتب: المرافعة الأخيرة لعبد الرحيم برادة
يشكّل كتاب «كلمات حرّة للتاريخ» حصيلة عشرين عامًا من العمل المتواصل. ومن خلال أسئلة ديدييه فوليه، الكاتب وأستاذ التاريخ والجغرافيا والسينما سابقًا بثانوية ليوطي بالدار البيضاء، يكشف عبد الرحيم برادة، المحامي في كبرى المحاكمات السياسية التي عرفها المغرب، عن كامل صرامته القانونية، وسعة ثقافته، وشجاعته، وجرأته في القول، ووفائه للقيم الإنسانية العابرة للحدود، التي ظلّ يدافع عنها إلى آخر أنفاسه.
في ستة فصول حادّة تمتد على ستمائة صفحة، يستعيد عبد الرحيم برادة، محامي القضايا السياسية الكبرى التي عرفها المغرب، مرافعتَه الأخيرة ضد الظلم والتعسّف و«الاستبداد» الذي لم يكفّ عن التنديد به حيثما وُجد، وفي بلده أولًا، المغرب. ويبدو الكتاب، عند قراءته، كأنه وصيّة للتاريخ، أُهديت إلى الأجيال الحاضرة والمقبلة قبل أن يسلّم صاحبها الروح في 20 فبراير 2022.
وعلى غرار حياته، جاءت وفاته، التي صادفت مصادفةً يوم ذكرى الحراك المغربي في سياق ذلك الذي اجتاح من الشرق إلى الغرب عددًا من البلدان العربية، بسيطة، متحفظة، كريمة، لكنها خلّفت فراغًا سحيقًا يصعب ملؤه لدى أقرب أصدقائه؛ وقاعات محاكم تيتمت من صوت حرّ، ملتزم، جسور، ظلّ على مدى أربعة عقود يزعزع القضاة والنيابة العامة لأنه كان يصرخ بشجاعة بالحقيقة، بالحقيقة وحدها، بكل الحقيقة.

وعلى امتداد صفحات الكتاب، ومع تقليبها الواحدة تلو الأخرى بشغف، يخال القارئ أنه يسمع صوتًا حازمًا ثائرًا، تارة لاذعًا وتارة رقيقًا، لكنه لا يعرف المساومة، هو الذي يخاطبنا، لا مجرد سطور منمّقة بالحبر الأسود على الورق الأبيض. وفي تقديم بليغ، يعلن منذ البداية النبرةَ رفيقُ دربه وصديقه الوفي، الأستاذ عبد الرحيم الجامعي، فيقول بلا زخرف: «المحامي هو السلطة المضادّة». ويشهد هذا القرين أن عبد الرحيم برادة، من خلال هذا الكتاب الصادر بعد وفاته، لم يكن مجرد نجم من نجوم المحاماة العاشقين للعدالة، بل كان أيضًا «المتمرّد، والمثقف، والمناضل، والرجل السياسي». ونضيف إلى ذلك الحرص على الدقّة، ووضوح الفكر، ورصانة الأسلوب، ورفض كل خطاب خشبي.
صاغ مؤلف «كلمات حرّة للتاريخ» هذه الشخصية في باريس، حين كان لا يزال طالبًا في الحقوق في أواخر خمسينيات القرن الماضي، وذلك من خلال قراءات متنوّعة خالية من أي أحكام مسبقة سياسية أو إيديولوجية. وهو يرسم بنفسه ملامح صورته لتفادي أي خلط أو التباس، قائلًا: «أنا شخص يزرع الشك ويعيشه. لطالما حرصت على الإصغاء وقراءة من ينتمون إلى الضفاف المقابلة لي. أُعرّف نفسي باعتباري يساريًا، لكنني أهتم كثيرًا بخطاب اليمين. لديّ حسّ احترام الآخرين وأفكارهم، ما داامت تظلّ منسجمة مع القيم التي تشكّل ركائز أخلاقي، وفي مقدّمتها الكرامة، والعدالة، والحرية، وحسن النية، والصدق».
وإن كان لعبد الرحيم برادة عدوّ لدود حاربه، فهو الإيديولوجيا الضيّقة والدغمائية من أي جهة كانت، التي يعتبرها، كما يلحّ على ذلك، منبع «القومية الكارهة والتعصّب الديني». وكانت قراءته لأعمال ريمون آرون، المنبوذ آنذاك من قِبل اليساريين الباريسيين، هي التي فتحت عينيه، وزرعت فيه فيروس الشك ورفض اليقينيات من دون جهد في المراجعة النقدية. فقد كان مناصرًا للحق في الاختلاف، وللتعدّدية، ومعارضًا لكل أشكال العنف. وإذا كان لا بدّ من «ثورة في المغرب»، فيجب أن تكون «سلمية».
وقف شعر رأسه يوم سمع بعض رفاقه في الفرع الباريسي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية (UNFP) – الحزب الذي أسّسه بن بركة سنة 1959 عقب انشقاقه عن حزب الاستقلال (وأُعيدت تسميته سنة 1975 بالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية – USFP) – يدافعون عن خيار الحزب الواحد. ويجزم المؤلف بأن لا بن بركة، ولا عمر بنجلون الذي تعرّف إليه في الفترة نفسها بباريس، ولا بالأحرى الخطّ الرسمي للحزب، دافعوا عن خيار الحزب الواحد. فالأول، كما هو معلوم، اختُطف في باريس في عهد ديغول ولم يُعثر على جثمانه قط، يوم 29 أكتوبر 1965، في ظروف لا تخلو من الغموض؛ أما الثاني فقد طُعن بوحشية في الدار البيضاء على يد إسلاميين، ببركة من الملك المستبدّ الحسن الثاني، بعد عشر سنوات، في 18 ديسمبر 1975.
وماذا عن «الخيار الثوري» لدى بن بركة إذن؟ «لم يكن العمل العنيف. بل كان انتقالًا إراديًا ومنهجيًا، عبر النضالات، من دولة إقطاعية إلى دولة حديثة، ديمقراطية واشتراكية…». وفي تصور بن بركة، يوضح عبد الرحيم برادة، لم يكن اللجوء إلى العنف مطروحًا إلا في آخر المطاف، بوصفه «دفاعًا مشروعًا»، في حال لم ينخرط القصر في الإصلاحات البنيوية التي كان يدعو إليها «المناضلون المعتدلون» في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وواجههم بـ«عنف الدولة».
وفي الواقع، يضيف المؤلف، كان حزب بن بركة ممزّقًا تاريخيًا بين جناح معتدل يقوده زعماء مثل عبد الرحيم بوعبيد، وعمر بنجلون، وإلى حدّ ما المهدي بن بركة، وبين جناح بلانكي يقوده محمد الفقيه البصري، الذي حمل السلاح مرارًا لإسقاط النظام الملكي.
وباعتباره روحًا حرّة تنفر من أي وصاية سياسية، مهما كان مصدرها، قدّم عبد الرحيم برادة استقالته من نشاطه كمناضل في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1963، وتفرّغ لمهنته كمحامٍ. وكان يودّ لو اجتاز مباراة التبريز ويتّجه إلى التدريس، «إحدى أسمى المهن التي يتعلّم فيها المرء التواضع»، غير أن ذلك كان يتطلّب تفرغًا كاملًا وعدّة سنوات من الدراسة بعد الدكتوراه، وهو ما لم يكن بمقدوره تحمّله. فاكتفى حينها بتدريب مهني تحت إشراف المحامي الباريسي الكبير شارل دولوني، بينما كان، منذ سنة 1963، يصقل أدواته الأولى إلى جانب أسماء بارزة مثل موريس غارسون، ورونيه فلوريو، وبول بودر، وكذلك رئيس الحكومة السابق إدغار فور، ورولان دوما، وهنري لوكليرك، وغيرهم من المحامين اللامعين، بعضهم لا يقلّ تألّقًا عن بعض.
وفي سنة 1966، جمع عبد الرحيم أمتعته وعاد إلى بلده، امتثالًا لصوت داخلي كان يهمس له: «لا أحد بحاجة إليّ في فرنسا، بينما المغرب بحاجة إلى جميع أبنائه. سأعود من أجل المعركة، لأمنح حياتي معنى»، متخلّيًا بذلك عن مسار مهني مستقرّ وأتعاب كانت واعدة إلى حدّ كبير.
في سياق مغربي قاتم طبعته عملية اختطاف بن بركة، وانتفاضات الدار البيضاء يوم 23 مارس 1965، وحالة الاستثناء التي أعقبتها وأعلنها الملك الحسن الثاني. ويضيف إلى ذلك، كما يتذكّر، «قلقًا بشأن مستقبلي المهني». وإذا كان قد ندم على شيء عند اتخاذه ذلك القرار المجنون، فهو «هيبة قصر العدالة بقضاته رفيعي المستوى؛ لقد تركتُ المشهد اليومي للمحاكمات مع محامين كبار؛ وتركتُ أخيرًا باريس، مدينة النور التي أحببتها دائمًا».
إلى امرأة حياته، مونيك بيكيه (ومن هذا الزواج وُلد ياسين، ابنهما الوحيد)، لم يعد بجبال ووديان، بل بالصبر ونمط عيش متواضع، كريم، على شاكلته، بعيدًا عن بريق محامين يلهثون خلف الوجاهة المادية. ولم تُخِب مونيك ظنّه، إذ كانت سندًا لا يتزعزع إلى جانبه في مواجهة مخزن كان يكدّ لإسكات كل صوت حر، صوت محامٍ يقول ما يفكّر فيه، بسلاح وحيد هو قوانين البلاد المنظِّمة للعدالة، في تجاهلٍ لملكية «مصابة بحساسية تجاه كل معارضة».

الأستاذ برادة خلال أول محاكمة سياسية تُعرف بمحاكمة «الجبهويين» سنة 1973 بالدار البيضاء
ثم جاءت المحاكمات السياسية الكبرى التي توالت الواحدة تلو الأخرى على مدى أربعة عقود من حكم الملك الحسن الثاني. ولم يكن يهمّ الانتماء السياسي للمتهمين، سواء كانوا بلانكيين، أو قادة أحزاب سياسية قانونية أو سرّية، أو نقابيين، أو صحافيين، أو ماركسيين-لينينيين أو ماويين؛ فقد كان دائمًا حاضرًا للدفاع عنهم، من دون أن يطلب أتعابًا، «لم تكن هناك محاكمة سياسية لم أكن طرفًا فيها»، يعترف بذلك. غير أنّ ذلك لم يكن دون شروط: فلكي ينجح في مهمته، ومن أجل عدالة أفضل، يتعيّن على المحامي أن يضع «مسافة» بين قناعاته الشخصية وقناعات موكّله. «المحامي الذي لا يتمتّع بشخصية قوية تتيح له ضمان الاستقلال الذي يحتاج إليه في جميع الظروف، لا ينبغي أن يكون عضوًا في هيئة المحامين»، يحذّر.
ويورد قاعدة أخرى لا تقل صرامة يجب على كل محامٍ التمسّك بها: ألّا يُجبر موكّله على «التخلّي عن أفكاره الخاصة ـ التي يُحاكم من أجلها ـ واعتناق أفكار المحامي». ويستشهد ببعض الحالات الصارخة لمحامين، خلال المحاكمة السياسية الكبرى لسنة 1977 (قضية أبراهام السرفاتي ورفاقه، حيث مثل 178 متهمًا أمام الغرفة الجنائية بالدار البيضاء)، تراجعوا في اللحظة الأخيرة بذريعة أن المتهمين كانوا يدافعون عن مبدأ تقرير مصير شعب الصحراء الغربية. ومن بينهم أحد كبار المحامين، تقدّمي بارز وزعيم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عبد الرحيم بوعبيد، الذي اعتذر عن تلبية دعوة أبراهام السرفاتي (صديقه، وعضو مكتبه حين كان وزيرًا للاقتصاد في حكومة عبد الله إبراهيم سنة 1958) للدفاع عنه، لأنه لم يكن يشاطر موقفه في هذه القضية. وهنا، ينتقده بقسوة قائلًا: «لقد استنكرتُ موقفه، ولا أزال، من أجل التاريخ، أستنكره؛ فقد تصرّف بوعبيد تصرّف سياسيًّا محضًا. ونسي أنه محامٍ»، يحتجّ عبد الرحيم برادة.
حطّم هذا الملف كلّ الأرقام القياسية من حيث الخروقات، ويحصي المؤلف باقة مُحبِطة منها. وأعقب ذلك شدٌّ وجذبٌ عنيف بين المحكمة برئاسة أحمد أفزاز («رئيس مُنفِّذ للأوامر») وهيئة الدفاع التي كان عبد الرحيم برادة ينسّق عملها. وقد دفع ثمن ذلك من دون أن يئنّ: هاتفٌ تحت التنصّت، وحارس شرطة عند مدخل منزله، وتهديدٌ بالاعتقال، وفي النهاية حجزُ جواز سفره. ولم يُعاد إليه إلا بعد خمسة عشر عامًا، سنة 1992، بثمن سلسلة من المناورات ومعركة طويلة كانت سياسية أكثر منها قضائية. وقد تحرّكت شبكة من المحامين والصحافيين، على رأسهم هنري لوكليرك وستيفن سميث (كاتب وصحافي آنذاك في اليومية الباريسية «ليبيراسيون»)، لإجبار السلطة على التراجع، وبلغ بهم الأمر حدّ التهديد بنشر مقال ناري.
ولإفشال هذه المناورة، استدعى الملك إلى الرباط، لإجراء لقاء، ثلاثة صحافيين من الجريدة نفسها وليسوا من الهامشيين (سيرج جولي، مدير الجريدة، ومارك كرافيتز، وكذلك ستيفن سميث). وانبرى الحسن الثاني حينها، في خطاب هجومي، للإشادة بـ«سياسته الانتقائية في ما يخص جوازات السفر. فليس لديكم إذن مهاجرون مغاربة سريون لتأخذوا عليّ…». فالتقط سميث الخيط في الحال قائلاً: «ومع ذلك، هناك مغربي لا سبب لديه للذهاب إلى فرنسا كمهاجر سري، لأنه على يقين من أنه سيُستقبل هناك أحسن استقبال. إنه الأستاذ عبد الرحيم برادة…». ويروي سميث (نقلاً عنه المؤلف) أن الحسن الثاني، وقد أُصيب بالذهول، «بدأ بإطفاء جهاز التسجيل، ثم دخل في نوبة غضب أدهشتنا، بلغت من الشدة حدّ أن خطابه صار غير مفهوم».
نهاية عهد الملك الحسن الثاني. فقد دُعي المعارض التاريخي، والمحكوم عليه سابقًا بالإعدام، عبد الرحمن اليوسفي، سنة 1998، إلى رئاسة حكومة وُصفت بـ«حكومة التناوب التوافقي»، عقب الانتخابات التشريعية التي جرت قبل ذلك بعام ومنحت الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أغلبية نسبية. والهدف: تأمين انتقال سلس إلى العهد الجديد، إذ كان الحسن الثاني يعلم أنه يعيش أيامه الأخيرة (توفي في 23 يوليوز 1999). لا إشكال في ذلك، من حيث المبدأ، يسخر عبد الرحيم برادة، لكن ليس بأي ثمن؛ إذ كان ينبغي على رئاسة الحكومة أن تضع بعض الشروط، وأهمها — ولن تكلّفه «سنتيمًا واحدًا» — تصفية الإرث «الوحشي» لانتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة المرتكبة خلال عهد الملك الحسن الثاني. غير أن اليوسفي (الذي «دفع حزبه، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ثمنًا باهظًا طويلًا لالتزامه بالديمقراطية») أبدى في هذا الشأن «تحفّظًا فاضحًا».

النقيب عبد الرحيم الجامعي يرفع بدالة محاماة زميله ورفيق دربه عبد الرحيم برادة
ويبدأ ذلك بقضية أبراهام السرفاتي الذي نُفي من بلده بذريعة «واهية» مفادها أنه برازيلي (أُفرج عنه سنة 1991 بعد سبعة عشر عامًا من السجن، ومن زنزانته نُقل على عجل إلى طائرة متجهة إلى باريس). وكان ينبغي على اليوسفي أن يوقّع «سطرًا واحدًا»، في شكل «مرسوم يُلغي قرار الطرد»، علمًا بأن السرفاتي «مغربي بلا أدنى شك»، بما يُبطل في الوقت نفسه قرار المحكمة العليا الذي صادق على ذلك الطرد. وسيُسمح لهذا المعارض السياسي باستعادة جنسيته والعودة ـ مع كل مظاهر التكريم ـ إلى بلده في مطلع عهد الملك محمد السادس. وهو قرار «سياسي» بامتياز ينبغي «أن يُحسب في رصيد العهد الجديد»، يقرّ برادة. وهل صادقت عليه، على الأقل، أية جهة قضائية؟ «قطعًا لا. لقد اتخذ الملك قراره وكان ذلك كافيًا. فهو الرئيس الأعلى للدولة، وبصورة أدق ملك مطلق بالحق الإلهي. ولا أحد مخوّل تأكيد أو نفي ما يقرّره».
الخطأ الجسيم الثاني لليوسفي: قراره الشاذ بحظر ثلاثة أسبوعيات دفعة واحدة سنة 2000: «لوجورنال»، و«الصحيفة»، و«غدًا». والخطأ الثالث: المحاكمة «الوضيعة» التي رُفعت ضد القبطان مصطفى أديب، وسجنه سنتين ونصف السنة، وطرده من الجيش. وما جريمته؟ أنه أخبر قيادته باختلاسات للوقود ارتكبها ضباط في قاعدته (وقد نال هذا القبطان سنة 2000 جائزة النزاهة من منظمة الشفافية الدولية، وسيعيش في المنفى بفرنسا بعد قضائه العقوبة). والخطأ الرابع أن اليوسفي كان قد تنازل إزاء الانتهاكات المرتكبة في ممارسة الحريات العامة.
والخطأ الخامس: أن رئيس الحكومة الاشتراكي، بدل دعم مخطط «تقدمي» للإدماج يُنصف المرأة، فضّل شكر صاحبه، الوزير سعيد السعدي. أمّا آخر المآخذ و«أشدّها قسوة»، بحسب عبد الرحيم برادة، فهو أن اليوسفي كان ينبغي أن يطالب السلطة بالاعتراف بمسؤوليات الدولة في اغتيال المهدي بن بركة وعمر بنجلون. وكان على اليوسفي «أن يُظهر أنه ليس شخصًا عاديًا. فالتواضع ينبغي أن يُستبعد عندما يتعلّق الأمر بالتفاوض مع مخاطِب مثل الحسن الثاني، الذي لم يتورّع قط عن التصرّف بوصفه نصف إله».
وماذا عن عهد الملك محمد السادس؟ في بدايته، لاح في الأفق تلعثمٌ في ممارسة حرية التعبير (غياب الرقابة القبلية على الصحافة، لم يعد الملك فوق النقد، عودة السرفاتي…)، وعلى صعيد حقوق الإنسان (إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2003 للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بين 1956 و1999)، وتقدّم «نسبي» في مجال حقوق المرأة.
لكن الأمل الذي راود لفترة في رؤية قطيعة مع الماضي الأليم للبلاد، وفي مساءلة ومحاكمة المسؤولين عن تلك الجرائم، وفي طيّ الصفحة، والشروع في مسار «ديمقراطي حقيقي لنظام برلماني»، أخذ يتلاشى مع مرور السنوات. «لا توجد فصل حقيقي للسلطات في المغرب، حتى في ظل دستور 2011 الذي يدّعي، زورًا، أنه ديمقراطي».
وبهذا الكتاب، يورّثنا عبد الرحيم برادة وثيقة للتاريخ، «كلمات حرّة» تخرج عن المسالك المألوفة.
ـ عبد الرحيم برادة، كلمات حرّة للتاريخ، منشورات «أن توت لتر»، الدار البيضاء، 2025، 602 صفحة.
ـ جواد مديدش، صحافي وكاتب، من مؤلفاته: الغرفة السوداء أو درب مولاي الشريف، ورحلات في الأطلس الكبير.
ـ المصدر: موقع “ميديا بارت”
ـ الترجمة: موقع “لكم”
