الدورة البرلمانية
للبرلمان المغربي دورتان ويمكنه آن يعقد دورة استثنائية ، والدورة البرلمانية نوعان خريفية وربيعية، فالدورة ليست هي الدائرة بل الفصل أو المرحلة الزمنية التي تستغرقها الجلسات العامة واجتماعات أللجن، كل هذا من اجل تجميع الجهد وتركيز التفكير في فترة اشتغال البرلمان بغرفتيه والعمل بجدية واستمرار دون ضياع الزمن السياسي الذي وجب تكريسه في ما ينفع الناس ويثبت خططهم من اجل تقوية البنيات الذهنية من خلال تعليم له أصول ومحافظ على شخصينا وهويتنا الثقافية والفكرية والحضارية ، ووضع نموذج اقتصادي بعيد عن الاحتكار و الربح السريع دون مراعاة للجودة والقدرة الشرائية للمواطن الذي يرزح تحت نيران الغلاء والمضاربات. والعمل على تأسيس قواعد مجتمع تسود فيه العدالة بكل أصنافها من خلال وضع مقترحات قوانين تجمع أواصل الأسر وتذكي روح التضامن والتعاون بين أفراد المجتمع دون تمييز ولا تفرقة مما يقوي الوحدة والتماسك الذي هو شرط أساسي في كل عملية تنموية في مختلف المجالات .
آراء أخرى
أين هو البرلمان من كل هذا ؟الم يحن بعد الوقت في أن ننتهي من طرح الأسئلة حول مؤسسة صارت معرقلة للعمل السياسي عوض أن تكون هي المحركة لكل نقاش عميق سياسي واقتصادي وطرح القضايا الكبرى للنقاش عوض الانغلاق في متاهات من خطابات لا تلوي على شيء. الم ننتهي بعد من مرحلة برلمان “التسجيل” للمرور لمرحلة برلمان “التفعيل”؟ أليس بين كل تلك النخب الحزبية من يرفع صوته ليقول كفى من التسويف؟ كفى من الكلام الذي لا يجد تنفيذا على ارض الواقع،؟ ألا يستطيع ساكني البرلمان نزع قلنسوة السياسي المخادع والكاذب ليصرخ بملء فمه كفى.. .
لذا كلما حلت ثاني جمعة من السنة جاءت الدورة البرلمانية ودارت في رؤوس الكثير من المغاربة أفكار وتصورات واقتراحات حول هذا الكائن السياسي الذي من فرط ما لم يفعل كاد آن يتحول إلى كائن أخر ربما من الكائنات المنقرضة ومن يدري خاصة وان في السياسة كل شيء ممكن ، ألم يقولوا هم أنفسهم – السياسيون- إن السياسة هي فن الممكن؟ ، بل ذهب البعض الإنجليز إلى وصف مجلس العموم البريطاني بأنه يستطيع كل شيء باستثناء تحويل المرأة إلى رجل،لأن برلمانهم فعل ما لم يكن في الحسبان حتى ذهب بهم الاعتقاد بإمكانيته المستحيل ، والحال اليوم أن الطب صار يقدر على ذلك ، غير أن البرلمان المغربي ،لم يحرك الساحة السياسية بفعل يكشف من خلاله عن كينونته كمؤسسة قادرة على الاستمساك بزمام المبادرة السياسية والتشريعية وسط ساحة سياسية تنحصر فيها الأحزاب وتذوب أمام واقع لا تستطيع استيعابه وتحويل ما يدور فيه إلى فعل سياسي تستمد منه القوة والاندفاع لخلق طاقة سياسية مما يجعل منها فاعلين سياسيين في برلمان يتحرك ويعطي الحلول ويتحمل المسؤولية فيما يجري بالبلاد.
إن برلمان المغرب صار كمن دخل في سبات عميق لا يسمع ولا يرى ما يجري حوله بالرغم من أن أصوات المعطلين كثيرا ما أزعجته في عقر داره ولم يحرك ما يجب أن يتحرك ، فها هو البرلمان قابع في بنايته الوتيرة واستحسن ساكنيه كل الامتيازات التي تمنح بسخاء لهم دون آن يكلفوا أنفسهم عناء التحرك والتفكير فيما يجري حولهم من تطورات ومشاكل اجتماعية واقتصادية ومالية واقتراح الحلول المناسبة لها على الحكومة التي هم يشكلون أغلبيتها ،إلا أنهم – مع الأسف – اقتنعوا بدور الكومبارس بل في أحيان كثير بدور المتفرج ، في أقوى لحظات الفعل البرلماني المصادقة على مشاريع الحكومة بدون مناقشة أو مناقشتها مرور الكرام .
إن عمل المؤسسة البرلمانية عمل سياسي واقتصادي واجتماعي ودبلوماسي واستراتيجي ، عمل يجعل منه المحرك للسياسة الداخلية والخارجية في المقام الأول لأن البرلمان من المفروض أن يكون هو ضمير الوطن والشعب الحي الذي ينبض من اجل منح الأكسجين لحياة الشعب ،غير انه لو تصفحنا حصيلة أية دورة برلمانية سواء في الغرفة الأولى أو الثانية لن نجد سوى مشاريع القوانين التي تضعها الحكومة على عتبة مكتب المجلسين ، وبالتالي فالتراكم البرلماني المغربي في المجال التشريعي يتباطأ بحكم تلك الخطة التي تتخذها الحكومات في استصدار مشاريع القوانين عوض أن يقوم البرلمان بدوره في وضع القوانين و الاكتفاء فقط بالمصادقة على التي تأتي بها الحكومة ، تلك هي السمة العامة في اغلب البرلمانات قد يقول احدهم ، قد يكون ذلك صحيحا بالنسبة للأنظمة البرلمانية العريقة ، لكن بالنسبة لبرلمان المغرب وتجربته التي تجاوزت (50) سنة في مجال التشريع لن يقنعنا انه خاض هذا المجال بعمق وكفاءة وترك الأمر للحكومة لأنها تكون أدرى بالواقع العملي في السياسة والاقتصاد وغيره مما يخولها تقديم مشروعات متكاملة أمام برلمان أصبح عمله التصويت لا غير .
فالبرلمان المغربي لن نعيب عنه ذلك لكون بنيته الذهنية، واعني بهذا الأحزاب المكونة له وإدارته التي لا تتوفر على اطر قادرة على خوض مجال صياغة مقترحات القوانين وحبكها مثل ما هو عند الأمانة العامة للحكومة أو الحكومة بصفة عامة وذلك راجع لأسباب عديدة منها ، أن الأحزاب السياسة تناسلت بشكل مخيف حتى كاد آن يصبح لكل مواطن حزبا لمفرده لولا أن قانون الأحزاب يمنع ذلك ، ناهيك على أن البنية الحزبية هشة إلى درجة تنذر بانهيار النظام الحزبي بالمغرب ، وما انخراط المواطنين في الأحزاب إلا دليلا على ذلك ، كما أن طرق التوظيف في البرلمان التي تفتح الباب لغير الكفاءات بحكم استعمال مكونات البرلمان لطرق التوظيف المباشر أي دون مباراة مع تحديد دقيق لشروط القبول ،وانعدام التكوين العلمي والتدريب المستمرة للإطلاع على التطورات في العمل البرلماني على الصعيد العالمي ، إن هذا الوضع الإداري الضعيف يترتب عليه وجود إدارة للسخرة لا أكثر، ويكفي القيام بجولة بالبرلمان لرؤية ما يجري فيها من حيث العمل الإداري المرتبط بالتشريع وملائمة القوانين ومقارنتها وتوقع ما يمكن إعداده من مقترحات قوانين بالنظر للواقع التشريعي المغربي .إن واقع الإدارة البرلمانية التي لا تتوفر على المبادرة الإدارية سواء في مجال الدراسات أو الصياغة القانونية والحياد الإداري مما يجعل منها إدارة تابعة للسياسي الذي هو بدوره لا يمكنه أن يعطي أكثر مما يملك خاصة وان اغلب البرلمانيين لهم تجارب سياسية محدودة وبالأحرى القانونية والإدارية لأنهم غالبا ما يتعاملون مع القضايا البرلمانية على منوال التسيير الجماعي والجهوي مما يحد من انطلاقتهم نحو الأفق البرلماني على المستوى العالمي.
ولا غرابة إن وجدنا نقصا في مكونات البرلمان المغربي وتكوينهم وأفاق بعدهم الفكري ومدى حملهم لمشاريع مجتمعية تساعدهم على هضم المشاكل المحيطة بالجسم المغربي وإيجاد الحلول لها من خلال نقاشات سياسية برلمانية مقنعة ومنطقية بعيدة عن الحزبية الضيقة والتخفي وراء خطابات مملة ولا تفضي لشيء.فالكفاءة مطلوبة بل وضرورية لأن مسؤولية ممثل الأمة قائمة ولن تزول بتقديم أعذار كعدم التخصص أو الجهل، لأن المسؤولية السياسية اخطر من المسؤولية المدنية التي هي محدودة في أفعال الشخص تجاه نفسه وغيره أما المسؤولية السياسية فهي تجمع بينهما وتتعداها لتصبح مسؤولية مطلقة ، لأن الشأن العام والمصلحة العامة ليست مفاهيم فارغة المحتوى بل هي مصير فئات من المجتمع في قضية من القضايا التي ورد فيها التقصير أو التلاعب أو ما شابه ذلك. لذا فمسؤولية ممثل الأمة أولا تقوم في أن بحجم عن التقدم للترشح لمنصب البرلماني أو رئيس لجنة ما إذا لم يجد فيه مقومات شغل ذلك المنصب المسئول، إلا أن الواقع البرلماني بخصوص كفاءة ممثل الأمة في فهم حيثيات القوانين وترابطها بعضها ومستلزمات سياقاتها وصياغتها كنص تشريعي بعيد عن المزايدات والدعاية الانتخابية ، فلا نجد سوى الضآلة والفراغ و هما لا يسمحان بصياغة قوانين لا تحمل آثار تلك الفراغات والتناقضات ، لأن التشريع ل أصحابه المحترفين من رجال القانون والسياسة والإداريين المتمرسين على الكتابة القانونية ليس كتلك التي نجدها في بعض مقترحات القوانين التي تعج بجمل لا تحمل في عمقها متانة الصيغة وتمنع كل التواء أو قفز حول الفقرة في القاعدة القانونية ، بل هناك من المقترحات القانونية التي تحمل بصمات القانون التنظيمي من فرط ما تسرد من تفاصيل لا تترك لصاحب المجال التنظيمي أية فسحة للتدخل وهذا عيب في صياغة المقترحات القانونية.
في كل دورة برلمانية نتطلع إلى أفقنا السياسي ونأمل أن يأخذ البرلمان نصيبا من العبء الذي نعيشه كشعب يتطلع إلى غد أفضل ، وإلا ما معنى وجود كل ذلك الجيش من النخب السياسية من برلمانيين وإداريين في مؤسسة تستهلك الكثير من المال والمتاع من اجل حصيلة هزيلة كنا في غنى عنها لأننا نأمل من البرلمان أن يعبر عن قضايانا الكبرى ويحمل همومنا اليومية من خلال مواقفه في توجيه ومراقبة الحكومة وليس فقط في مجال التشريع بل الخوض في السياسة العامة والحياة اليومية للمواطنين الذين يواجهون الواقع الاجتماعي والاقتصادي بصدور عارية لا حول ولا قوة لهم سوى الصبر والتضامن الأسري الذي بدأ جداره يتساقط من فرط الاتكال عليه . . الآن يوجد البرلمان المغربي في مرحلة لا يقبل منه تقديم الأعذار والتخفي وراء سياقات هو بالأساس من ناسجيها ، فالشغل ومصير الشباب وتخطي العقبات الإدارية والاقتصادية وتسهيل الحياة للمواطن ، الطالب والمعلم والمستثمر والصانع والفلاح كل وفق ما يروم إليه من أجل الخلق والإبداع ويكون البرلمان هو القاطرة التي تقود التطور وتيسر الانطلاق نحو الأفق الجديد عوض أن يكون مؤسسة مستهلكة وغير منتجة .
فهل ستكون هذه الدورة بداية الوعي البرلماني السياسي والاجتماعي والاقتصادي وفي كل المجالات ؟
هل سنرى برلمانا ينهض من سباته ليقول كلمة الحق ويصطف إلى جانب المحرومين في هذا البلد ويأخذ بيد الطالب وحقه في الدراسة والمريض وحقه في العلاج والمتخرج وحقه في الشغل وكل مواطن في حقوقه له من البرلمان سند قوي وخير ناطق باسمه ويشد بيد قوية لتنصاع الحكومة له من خلال الأدوات التي يمنحها له الدستور كسحب الثقة عندما تقد هذه الأخيرة التصريح الحكومي، ومساءلة الوزراء وتشكيل لجان للتحقيق والتقصي ،بالإضافة إلى ذلك أعطى الدستور للبرلمان 32 ميدانا للتشريع فيه في مجالات مختلفة من الحياة العامة الاجتماعية والاقتصادية والانتخابية والإدارية والمالية والضريبية… إلى أخره.
كل ما نطلبه من البرلمان ليس تحويل الرجل إلى امرأة فالطب أصبح يقوم بذلك على الأوجه الأكمل بل فقط عدم التنكر للوعود التي قدمها أعضاؤه خلال الحملة الانتخابية والالتزام بنصوص الدستور وعدم الدخول في الساسة السياسوية. على البرلمان المغربي أن يقوم بدوره دون انتظار التوجيه من الحكومة لأن هذه الأخيرة تجد أصلها وتفاصيل تكوينها نظريا على الأقل في البرلمان وأغلبيته ، وإلا فسلام على برلمان لا تدب فيه الحياة إلآ كلما حلت دورته ليتحولق أعضاءه في شكل نصف دائرة ليلقون خطابات كأنها كتبت بماء. .
