cron lakome2 - لكم :موقع إخباري مستقل cron
  1. البرلمانية ماء العينين: بنكيران ليس حائطا قصيرا واحتجاج أساتذة الغد تم استغلاله والركوب عليه
  2. تعالوا نخفي سوط الله وسيفه
  3. بالصوتI خطيب جمعة بسلا: المحذرات وراء زلزال الريف.. والجفاف عقوبة إلهية
  4. "راجعين"
  5. الحكومة تهدد الأساتذة المتدربين بالإعلان قريبا عن "سنة بيضاء"
  6. بالفيديو.. بنكيران: إضراب 24 فبراير ليس إعلان حرب وسأستمر في إصلاح التقاعد مهما كانت الظروف
  7. الكونفدرالية الديمقراطية للشغل: الإضراب العام حقق نسبة مشاركة فاقت 85 في المائة إلى حدود الظهيرة
  8. كريم التازي لـ"فاينانشل تايمز": مصالح قوية في النظام ستحاربك اذا كنت ترغب في محاربة الفساد
الرئيسية | رأي | المسألة اللغوية في المدرسة المغربية

المسألة اللغوية في المدرسة المغربية

آخر تحديث: 09 سبتمبر, 2018 12:53:00

مقدمة

اللغة هي الركن الركين الذي يستند إليه قوم من الأقوام للحفاظ على هويتهم وثقافتهم، وأساسُ شعورهم بوحدتهم وتميزهم. وحين تتبارى الشعوب في إبداء خصوصياتها، ويقع التدافع الحضاري فيما بينها، فإن اللغة تكون في طليعة هذا التدافع. وما ذلك إلا لأن اللغة أرقى مظاهر التعبير عن التميز والتفرد، حتى إنه من يحوز الغلبة اللغوية فكأنه حاز الغلبة الحضارية. ولئن جاز أن نضع اللغة الفصحى في خانة الثقافة العالِمة، فإنها تظل مع ذلك على رأس مقومات الهوية الحضارية. فاللغة الفصحى تستعصي على التهجين (hybridation)، بَله الذوبان والتحلل. أما الفنون، من رقص وطبخ وموسيقى... إلخ، وكذا أنواع اللباس، وما يوصف عادة بكونه ثقافة شعبية، فكل ذلك أسرع تبدلا وتطورا، وله من قابلية التلاقح والانفتاح ما ليس لغيره من أصناف الثقافة العالمة. 

تنجلي هنا قاعدة عامة: كلما كانت الخصوصيات الثقافية ضاربة في التاريخ، ممتدة إلى شرائح المجتمع كلها، قائمة على قواعد بينة أو أعراف مستحكمة، استعصت على الذوبان أو التهجين. يشهد لذلك ما وقع للعامية المغربية من تفسخ إثر الغزو الذي تعرضت له من المعجم الفرنسي إبان فترة الحماية.   

مخاطر التبعية اللغوية

منذ مؤتمر التعريب الأول الذي انعقد في الرباط سنة 1961م، أجمع المؤتمرون على إحلال "اللغة العربية في التعليم محل اللغات الأجنبية... وإلزام الإدارة بعدم استعمال لغة دون اللغة العربية، والعمل على أن تكون لغة التخاطب اللغة العربية وحدها، والدعاية لها، ومقاومة كل الذين يناهضون لغتهم للتفاهم فيما بينهم بلغة أجنبية...". فأين مقررات هذا المؤتمر؟ وكيف هي حال اللغة العربية بعد مرور أزيد من نصف قرن على ذلكم المؤتمر؟ وأين هي توصيات المناظرة الوطنية حول التعليم المنعقدة في 1964م؟ إن حال اللغة العربية يشهد على تراجع خطير على الأصعدة كلها. فما زالت المراسلات الإدارية الرسمية تكتب باللغة الفرنسية. وما زال يُنظر إلى العربية على أنها لغة الشعر والقصص والأحاجي. أما التقنية والعلوم النظرية والتطبيقية فوسيلة تحصيلها اللغات الأجنبية. 

ولا نجد لذلك مسوغات تربوية أو دواعيَ علمية إلاّ المسوّغ الذي يجعل الفرنسيةَ إلى حد الآن اللغةَ الأجنبيةَ الأولى بالمغرب، إنه مسوّغ التبعية ولا شيء غيره. ولا ريب أن التبعية اللغوية تستتبع تبعية ثقافية، ثم اقتصادية وسياسية. ومما له بالغ الدلالة في هذا السياق، أن تُخصِّص فرنسا إبّان "الحماية" 20 ساعة للفرنسية في الأسبوع، مقابل 10 ساعات للعربية والمواد الدينية فيما كان يسمى بالتعليم الإسلامي. فهل كان قصد فرنسا غير جعل البلد تحت نير التبعية والإلحاق؟ بلى، "فلقد كان هدف فرنسا ولا يزال تحويل المغرب إلى بلاد ناطقة باللغة الفرنسية، مندمجة في الثقافة الفرنسية، فكرا وحضارة وذوقا، تدور في فلك رابطة الدول الفرنكفونية، وتدين لها بالولاء السياسي، والتبعية الاقتصادية والاجتماعية".

بعض مداخل الإصلاح اللغوي

أولا: إبعاد المسألة اللغوية عن التجاذب السياسي والإيديولوجي، وهو الشرط الضروري غير الكافي. فلا ينبغي أن تصير لغة التعليم محكومة بمنطق ترضية الفرقاء السياسيين، أو خاضعة لأهداف تكتلات وعصبيات ذات طموح إيديولوجي. ولقد شهد مغرب ما بعد الحماية جدلا من هذا النوع فيما يتعلق بمسألة التعريب، ويشهد الآن جدلا مماثلا يخصّ اللغة الرسمية في البلاد. ففيما يتعلق بالمسألة الأولى يقول الطاهر بن جلون وهو أحد الذين عايشوا تجربة التعريب في بداية السبعينيات: "كان التعريب قرارا سياسيا وليس قرارا تربويا، لقد خرج هذا القرار من وزارة الداخلية وليس من وزارة التعليم". وما أحوجنا ونحن نعايش العصبيات اللغوية إلى تأمل قول البيروني في كتابه "الصيدلة": "الهجو بالعربية أحبّ إلي من المدح بالفارسية". ولك أن تقارن قول أبي الريحان هذا ببعض المواقف اللغوية الإيديولوجية وهو الفارسيّ الذي يقول: "وسيعرف مصداق قولي من تأمّل كتاب علم قد نقل إلى الفارسية كيف ذهب رونقه... وزال الانتفاع به، إذ لا تصلح هذه اللغة إلا للأخبار الكِسروية والأسمار الليلية". 

ثانيا: جعل اللغة العربية لغة التعليم في المراحل الدراسية كلها، فذلك أدعى إلى هضم المعرفة وترسيخها. ثم لا مناص من نبذ الازدواجية اللغوية، ويكفي أنه مسلك لا نجده إلا في الدول المتخلفة، وعلى رأسها الدول العربية. فمما يُسهل التعلّم وتحقيق التراكم المعرفي أن تكون لغة التحصيل لغة واحدة طيلة مدة الدراسة. ولقد كان هذا من مقررات المناظرة الوطنية حول التعليم في 1964م، وفيها أنه لا يُشرَع في تعلم اللغات الأجنبية إلا ابتداء من التعليم الثانوي. 

ثالثا: اعتماد لغة رسمية واحدة بالمدرسة المغربية، مع إقرار اللغات واللهجات الأخرى خارجها وتسهيل تعلّمها لمن أراد ذلك. لكن واقع الحال يشهد أن المدرسة المغربية تطمح إلى أن تعكس التعدد اللغوي الموجود خارج أسوارها. وهو اختيار غير موفق، ذلك أن المطلوب ليس أن تكون المدرسة مرآة عاكسة لما يجري في الواقع، ولا أن تكون عالما موازيا للعالم الواقعي. للمدرسة مهمة محددة، تلك هي تطوير الواقع نحو الأفضل. ولنا في الهند عبرة، فلغاتها بلغت نحو 240 لغة و300 لهجة إذا صحّ ما يقوله غوستاف لوبون. لكن هذا التعدد اللغوي لم يحسن الهنود استثماره ولا كان مصدر غنى وتنوع، وإنما فسح المجال للغة الإنجليزية لتكون لغة عامة بجوار اللغات المحلية، بسبب عدم إمكان التفاهم بين سكان المناطق المختلفة.

رابعا: انتهاج سياسة للتعريب تنأى عن التخبط والعشوائية. ذلك أن سبب فشل التعريب خلال حقبة ما بعد الحماية سنُّ سياسة قائمة على الارتجال، بعيدة كل البعد عن الدراسة والتخطيط. وأمامنا مثال "فَرْنسَة" الطلبة المعرّبين ابتداء من أول سنة جامعية (90/91) يُستقبل فيها فوج علمي معرّب من حاملي شهادة الباكالوريا. فالاستعجال وانعدام التخطيط حتّم فرنسة الطلبة ما دام أن الأساتذة لم يكونوا على استعداد لتعريب المواد العلمية. وإنه لمن المؤسف أن يستمرّ تعليم كثير من المواد العلمية بالفرنسية إلى حد الساعة بلا مسوّغ علمي، كالطب والقانون والاقتصاد... إلخ. فمن شأن ذلك الإيهامُ بأن اللغة الفرنسية من الخصائص الذاتية لهذه العلوم، فلا تدرس إلا بها. هذا، وإنه لا تعريب ناجع إلا بتعريب المحيط والمرافق العامة كلها. 

خامسا: تأجيل الانفتاح على اللغات الأجنبية إلى سنوات متأخرة، مع عدم إلزاميته. ويُستثنى من ذلك اللغة الإنجليزية للضرورة العلمية والواقعية في الزمن الراهن. وهنا لا بد من التمييز بين شيئين كما وضّح ذلك محمد عابد الجابري، وهما: لغة البحث العلمي من جهة، ولغة التواصل داخل العلم والتواصل بين العلم والمجتمع من جهة أخرى. فاللغة الأولى راهنا هي الإنجليزية في العالم برمّته، واللغة الثانية هي اللغة الوطنية في كل بلد. 

سادسا: الإصلاح اللغوي البنّاء يقتضي جعل اللغة العربية لغةَ علم. والحق أن هذا من باب إعادة الأمور إلى نصابها وليس إبداعا من غير سبق، وإلا فإن اللغة العربية كانت من منتصف القرن الثامن الميلادي إلى نهاية القرن الحادي عشر لغة العلم للجنس البشري. وما على المتشكك في ذلك إلا الاطلاع على بعض ما دوّنه جورج سارتون في كتابه "المدخل إلى تاريخ العلم". نؤكد هنا أننا لا نعيد المكانة للغة العربية بكثرة الحديث عنها، وإنما بكثرة الحديث بها. وكيف نتحدث بها إلى العالَم في غياب مضمون يسترعي انتباهه؟ فلأجل ألا يكون الحديث فارغا أو سطحيا يكون المطلوب أن تصير العربية لغة علم وحضارة، وتأليف في ذلك وتصنيف.

وكل حديث عن اللغة العربية يقتصر على بيان فضلها وميزاتها وخصوصياتها دون أن تتحول إلى لغة بحث ودراسة وإنجازات علمية لا يعدو كونه تغنّيا وتفاخرا كما نتغنى ونتفاخر بماض عريق. ولقد انقرضت لغات كثيرة لأنها ما استطاعت أن تواكب تطور البشرية أو تسهم في نهضة حضارية إنسانية. ودونك لغات الأمم القديمة كالسنسكريتية والسريانية والبهلوية... وحتى اللاتينية التي كانت لغة العلم في أوربا أزاحها التدافع الحضاري الذي لا تحكمه غير سنن الاجتماع البشري.    

خلاصة

رُبّ قائل بأن لغة التعليم مسألة غير ذات شأن، وأنها مسألة جزئية وهامشية، وما يهم هو: ماذا نعلّم؟ وليس: كيف نعلّم؟ وهو قول خطير ينمّ عن قلة علم ودراية، فإنه لا دولة تحترم نفسها في عالمنا المعاصر تأنف من التعليم بلغة البلد، وتُقبل على لغة الغير. إن المسألة اللغوية تمسّ هوية البلد ولا شك، وعنوانُ سيادته وخصوصيته الثقافية. وغنيّ عن البيان أن الناس لا يستخدمون "اللغة لمجرد الإشارة إلى حالات شعورية...، بل لتشكيل عقول بعضهم بعضا". ولذلك لا نتصور حديثا عن النهوض الحضاري، بَلْه إصلاح التعليم دون إيلاء المسألة اللغوية حقها.  

ثم إن مما يجعل اللغة العربية قادرة على المواكبة الحضارية ويعزز مكانتها في عالم اليوم أنها لغة دين وعلم. فإنْ لم تكن لغة علم بالفعل فإنها لغة علم بالقوة. والشهادة التاريخية وحدها تكفي في تأكيد قدرة العربية على متابعة التقدم العلمي والتقني، ولسنا في حاجة إلى بيان أنها لغة فلسفة ومنطق وأدب وتاريخ...إلخ. ولكونها لغة وحي ولغة علم فإنها لا جرم أقدر على الرسوخ والانتشار مما سواها.

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

التعليقات ( الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع )

المجموع: | عرض: