تقييم معمق لنقد "علي تيزنت" لمفهوم "التشيع السياسي" في المغرب
مقدمة: الأكاديمية ساحةً لمعركة
آراء أخرى
بعد نشر الباحث محمّد قنفودي لمقاله: “التشيع السياسي في المغرب: جماعة العدل والإحسان أنموذجا“، على موقع “مؤمنون بلا حدود”، بتاريخ 15 أكتوبر 2025، محاولا تطبيق مفهوم “التشيّع السياسي” على جماعة العدل والإحسان، معتبرًا أنها تمزج بين التصوّف السني والتنظيم السياسي المستلهم من التجربة الشيعية، ردّ الدكتور علي تيزنت بنشر مقال نقدي بعنوان: “التشيع السياسي في المغرب: قراءة نقدية في مقال محمد قنفودي“، على موقع “لكم”، بتاريخ 25 أكتوبر 2025، ساعيا إلى تفنيد أطروحة محمد قنفودي وتفكيك منهجه.
لا يمثل السجال الفكري بين الباحث “محمد قنفودي” والدكتور “علي تيزنت” مجرد خلاف أكاديمي حول تصنيف حركة إسلامية مغربية، بقدر ما يعتبر عيّنة “مصغّرة” تجسد صراعا أوسع وأعمق حول الشرعية السياسية والهوية الدينية في المغرب المعاصر. في هذا المشهد، يظهر طرفان رئيسيان: محمد قنفودي، الباحث الأكاديمي الذي يدرس الظاهرة من الخارج، والدكتور علي تيزنت، عالم الاجتماع الذي يتناول الموضوع من الداخل، بصفته باحثًا وعضوًا في الجماعة قيد الدراسة. أما موضوع السجال، فهو جماعة العدل والإحسان باعتبارها واحدة من أبرز حركات المعارضة وأكثرها استمرارية وحضورا في المشهد السياسي المغربي الراهن.
تتمحور الأطروحة المركزية لهذا المقال على فكرة أن رد علي تيزنت ليس مجرد دحض علمي، بل هو عملية دفاع “خطابي” متعددة الأبعاد، تعمل، في الآن نفسه، على المستويات الأكاديمية والسياسية والهوياتية. يكشف هذا السجال مدى إمكانية أن تتحول المفاهيم السوسيولوجية إلى “أسلحة” في صراع رمزي للسيطرة على السردية وتحديد معنى الانتماء الديني والسياسي في سياق وطني شديد الحساسية. إن تحليل طبيعة رد علي تيزنت يقتضي تجاوز تقييم حججه الظاهرة إلى تفكيك الاستراتيجيات الحجاجية والرهانات السياسية الكامنة وراء هذا النقاش، مما يجعله دراسة حالة نموذجية في سوسيولوجيا المعرفة والصراع السياسي.
المبحث 1: “التشيع السياسي”.. تفكيك “التشيع السياسي” وإسقاطاته
إن أقوى خطوط الحجاج التي يعتمدها علي تيزنت في تفاعله النقدي يتمثل في تفكيك المفهوم المركزي الذي بنى عليه محمد قنفودي أطروحته؛ مفهوم “التشيع السياسي“. يستهدف هذا المبحث الأول تحليل الأصول الأكاديمية والسياسية لهذا المفهوم، مبيّناً كيف أن استخدامه المعاصر محمّل بدلالات سياسية محددة، وهو ما يوظفه علي تيزنت ليثبت عدم انطباقه على حالة جماعة العدل والإحسان.
1.1. تعريف المفهوم المتنازع عليه.. من التحزب التاريخي إلى الأيديولوجيا الحديثة
يبدأ تحليل علي تيزنت بالتنصيص على ضرورة وضع تعريف دقيق لمفهوم “التشيع السياسي”. وهذا النقد يسلّط الضوء على نقطة جوهرية في البحث السوسيولوجي، هي ضرورة ضبط المفاهيم قبل توظيفها في التحليل، ناهيك عن ضرورة بيان حدود مفهوم “التشيع السياسي” في الدرس السوسيولوجي، ودلالاته في الحقل التداولي الإسلامي المعاصر.
وفي هذا المستوى، من الضروري التمييز بين أصوله التاريخية من جهة كونه دعما سياسيا للإمام علي بن أبي طالب، وبين معناه المعاصر الذي ارتبط بشكل عضوي بثورة 1979 في إيران وبعقيدة “ولاية الفقيه”. فالتشيع السياسي المعاصر، كما تبلور في الخطاب الأكاديمي والسياسي، لا يشير إلى مجرد تعاطف مع مظلومية آل البيت، بل إلى بنية أيديولوجية وسياسية متكاملة.
تتحدد أبرز سمات هذا المفهوم الحديث في نقاط جوهرية:
أولا: الولاء العابر للحدود لسلطة دينية-سياسية خارجية متمثلة في “الولي الفقيه” في إيران،
ثانيًا: الهدف المعلن بتصدير نموذج ثوري محدد،
وثالثًا: التوظيف الأداتي للهوية المذهبية لتحقيق أهداف سياسية، حيث تتقدم الولاءات الخارجية على الانتماءات الوطنية الداخلية.
هذا التحديد الدقيق للمفهوم يوفر الإطار المرجعي الضروري لتقييم مدى وجاهة الادعاء الذي يطرحه محمد قنفودي، ويؤسس في الوقت نفسه للمنطق الذي ينطلق منه علي تيزنت في نقده.
1.2. نقد علي تيزنت لـ “الانزلاق التأويلي”
يتمحور نقد علي تيزنت الأساسي على ما يسميه “الانزلاق التأويلي”، وهو ما يعتبره خطأ تحليليًا فادحًا ارتكبه محمد قنفودي حين أسقط مفهومًا تَشكّل في سياق شيعي فارسي (إيران) على تجربة مغربية ذات جذور سنية مالكية وصوفية (جماعة العدل والإحسان). يرى علي تيزنت أن هذا الإسقاط يتجاهل بشكل كامل الخصوصيات التاريخية والعقدية والسياسية لكل سياق، مما يفقد التحليل عمقه السوسيولوجي.
يدعم علي تيزنت حجته بتوجيه تهمة “الالتباس المفهومي” إلى محمد قنفودي، حيث يرى أنه فشل في تقديم تعريف إجرائي واضح ومحدد للمفهوم، مما جعله عالقًا بين كونه “مفهومًا أكاديميًا” و”لغةً اتهامية”. هذا الغموض، بحسب علي تيزنت، حوّل المفهوم من أداة للفهم والتحليل إلى وسيلة للاتهام والإدانة، ومن فضاء معرفي إلى خطاب مؤدلج يخضع لأحكام مسبقة بدلًا من أن يستند إلى تشريح موضوعي.
من منظور سوسيولوجي، يمكن وصف هذه العملية بمفهوم “تمديد المفهوم” و”توسيعه”؛ حيث يتم تطبيق مفهوم ما على ظواهر مختلفة إلى درجة تُفقده دقته التحليلية، ويتحول إلى مجرد توصيف غامض. يجادل علي تيزنت بفعالية أن محمد قنفودي قد مدّد مفهوم “التشيع السياسي” إلى درجة أفقدته أي معنى تحليلي رصين في الحالة المغربية.
خلاصة القول، يقدّم ردّ علي تيزنت تنبيها علميا مفصليا حول خطورة استيراد المفاهيم دون تمحيص؛ فإسقاط مفهوم نشأ في سياق مذهبي مختلف (الشرق الشيعي) على تجربة مغربية ذات جذور سنية صوفية هو “انزلاق تأويلي يُفقد التحليل عمقه السوسيولوجي”.
1.3. الوظيفة السياسية للتصنيف
يتجاوز التحليل هنا البعد الأكاديمي لينظر في التبعات السياسية لاختيار محمد قنفودي لهذا المفهوم؛ ذلك أن وسم جماعة العدل والإحسان بمفهوم يرتبط عضويًا بإيران في الوعي السياسي المعاصر، إنما يخدم وظيفة وضع الجماعة في زاوية “الآخر” المغايِر المنفصل؛ فهو لا يصورها حركةً معارضة نابعة من التربة المغربية، بل طابورا خامسا محتمَلا لقوة أجنبية. هذا التصنيف يحمل في طياته خطرًا سياسيًا داهمًا، إذ يمنح خصوم الجماعة، وعلى رأسهم المخزن / الدولة، أداةً خطابية قوية لنزع الشرعية عنها وتصويرها باعتبارها تهديداً للأمن القومي والهوية الدينية الراسخة للبلاد.
من هذا المنطلق، يمكن فهم رد علي تيزنت ليس فقط بوصفه دفاعا أكاديميا، بل فعلا سياسيا يهدف إلى “استعادة السردية“. إنه يسعى إلى إعادة تموضع جماعة العدل والإحسان بقوة داخل التقاليد الإسلامية المغربية (السنية والصوفية)، والدفاع عن “أصالتها” الوطنية في مواجهة تهمة “التبعية” الخارجية التي يسعّر محمد قنفودي لهيبها. إن الصراع هنا ليس على دقة المفهوم فحسب، بل على الحق في تعريف هوية الجماعة وموقعها في الحقل السياسي المغربي. وبهذا، يتضح أن السجال حول المفاهيم هو في جوهره صراع على السلطة الرمزية، حيث إن من يملك القدرة على فرض تصنيفاته، يملك القدرة على تشكيل الإدراك العام وتوجيه الفعل السياسي.
ومن وجهة نظر شخصية تفعِّل مفهومَ “ألاعيب اللغة” عند لودفيغ فيتغنشتاين، أعتبر أن طريقة تعاطي محمد قنفودي مع مفهوم “التشيع السياسي” هي تطبيق “نموذجي” يكشف كيف يمكن لمفهوم، عند إفراغه من سياق استعماله الدقيق، حتى يظل عالقاً بين مدلولات عقائدية وتاريخية وسياسية دون تحديد لمستواه الدلالي المقصود، يكشف ذلك كيف يمكن أن يتحول المفهوم إلى “دال فارغ”، ويصبح معناه “مفروضاً” لا “مفترضاً”، فيُملأ هذا الدال الفارغ بالهيمنة أو النزعة المؤدلجة، على المستويين السردي والمادي سواء بسواء؛ إنه يتحول من أداة للفهم إلى أداة للتشويش والإقصاء و”شيطنة” الآخر المجرَّم، هكذا مصادَرةً على المطلوب رأساً.
لذلك فإن المدخل الأساس لتحليل هذه الطريقة لا يسأل: ما هو التعريف الجوهري والحقيقي للتشيع السياسي؟ بل يسأل: كيف استخدم الباحث هذا المفهوم؟ وضمن أية لعبة لغوية؟ وما هي الأفعال التي يُنجزها هذا الاستخدام؟
باختصار، يمكنني حصر الأفعال المنجزة باستخدام الباحث لمفهوم “التشيع السياسي” في:
أ- فعل الاتهام: وصم الخصم بالتبعية للخارج والانحراف عن “الثوابت الدينية والوطنية”.
ب- فعل التخويف: إثارة المخاوف من “خطر” يهدد الهوية السنية للمجتمع.
ج- فعل التبسيط: اختزال فكر مركب ومعقد لنظرية الإصلاح والتغيير عند جماعة العدل والإحسان في مجرد استنساخ لتجربة خارجية أخرى.
فعل الإقصاء: نزع الشرعية عن الخصم، وتقديمه كجسم غريب لا ينتمي إلى “شكل الحياة” المغربي.
المبحث 2: الأسس المنهجية وساحات الصراع النصي
ينتقل هذا المبحث من المستوى المفاهيمي إلى المستوى الإمبيريقي، حيث يتم تقييم نقد علي تيزنت للأسس المنهجية التي اعتمدها محمد قنفودي، وفي المقابل، تحليل المنهجية البديلة التي يوظفها علي تيزنت في رده. الحجة المركزية هنا هي أن هذا الخلاف المنهجي ليس مجرد نقاش تقني، بل هو واجهة لصراع أعمق حول السلطة المعرفية؛ فمن ذا الذي يمتلك الحق في إنتاج معرفة موثوقة وذات مصداقية وقيمة إبستمولوجية حول حركة اجتماعية معينة؟
2.1. نقد “الضمور المنهجي”
يوجه علي تيزنت نقدًا لاذعًا لما يعتبره “ضمورًا واضطرابًا منهجيًا” في دراسة محمد قنفودي، معتبرًا أنها تعوزها الصرامة العلمية ومقتضيات البحث السوسيولوجي الرصين.
- حجم العينة والقدرة على التعميم: يركز علي تيزنت على نقطة ضعف أساسية في بحث محمد قنفودي، وهي اعتماده على عينة “ضيقة وغير ممثلة”، عينة تتألف من سبعة أفراد حصريا، وفقط. ومن منظور البحث الاجتماعي، يجادل علي تيزنت بأن هذا “الحجم” لا يسمح بأي شكل من أشكال التعميم السوسيولوجي أو استخلاص نتائج نوعية يمكن الاعتماد عليها. هذا النقد يضرب في صميم الصلاحية العلمية للدراسة، إذ يشكك في قدرة النتائج على تجاوز كونها ملاحظات جزئية لمجموعة محدودة جدًا من الأفراد. إن العينة الصغيرة جدا لا تتيح رصد تنوع الظاهرة ولا اختبار فرضيات بشكل موثوق.
- غياب الصرامة والأدوات العلمية: يوسع علي تيزنت هجومه ليشمل غياب الأدوات الأساسية للبحث العلمي؛ فهو يشير إلى افتقار دراسة محمد قنفودي إلى أدوات التحقق والقياس، ودليل المقابلات، والشفافية في عرض منهجية تحليل البيانات. وبذلك يتهم علي تيزنت خصمه باستبدال “البرهان بالسرد”، و”الافتراض بالتعميم”، وتحويل ملاحظات انطباعية إلى قواعد كلية، وهو ما يمثل ابتعادًا واضحًا عن أبجديات المنهج العلمي.
2.2. منهجية علي تيزنت المضادة.. التأويل النصي دليلا سوسيولوجياً
في مقابل المنهجية الإمبيريقية التي ينتقدها، يقدم علي تيزنت مقاربة بديلة تعتمد بشكل أساسي على القراءة التأويلية الدقيقة والتصحيحية للنصوص التأسيسية لمرشد جماعة العدل والإحسان، عبد السلام ياسين.
يتهم علي تيزنت محمد قنفودي بـ”الانتقائية” في التعامل مع هذه النصوص، معتبرًا أنه اجتزأ منها ما يخدم فرضيته المسبقة، بينما تجاهل عمدًا نصوصًا أخرى صريحة وواضحة تنفي أي صلة عقدية أو تنظيمية بالتشيع. تتمثل منهجية علي تيزنت في عرض المفاهيم المركزية لمشروع الجماعة كما هي معروفة داخل أدبياتها، ثم مقارنتها بالمفاهيم الشيعية لإبراز الاختلاف الجذري بينهما. فعلى سبيل المثال، يوضح أن مشروع “المنهاج النبوي” القائم على التربية والشورى والجمع بين العدل والإحسان، يختلف كليًا عن مشروع “ولاية الفقيه” القائم على سلطة الفقيه المطلقة. كما يميز بين مفهوم “القومة” عند عبد السلام ياسين، الذي يعني نهضة مجتمعية تربوية، ومفهوم “الثورة” في الأدبيات الخمينية.
هذا التحول من تحليل أقوال عينة صغيرة من الأفراد، إلى تحليل النصوص العقائدية المؤسسة، هو حركة استراتيجية بامتياز؛ فمن خلالها، يعيد علي تيزنت تعريف “حقيقة” الجماعة، ليس بما قد يقوله بعض أعضائها في سياقات غير محددة، بل بما هو مدون في “دستورها” الفكري. إنه يجادل ضمنيًا بأن الفهم الحقيقي لأي حركة أيديولوجية إنما يكمن في نصوصها التأسيسية، وليس في الممارسات الفردية التي قد تحيد عنها.
وتكفي مقارنة أولية بين مفاهيم جماعة العدل والإحسان، ومفاهيم التشيع السياسي، على مستويات القيادة، والنظرية السياسية، ومنهجية التغيير، والمرجعية، حتى يخلص المتتبع إلى الحجة النصية التي يقدمها علي تيزنت، مبرزًا التقابلات الضدية التي يراها جوهرية بين مشروع جماعة العدل والإحسان ونموذج التشيع السياسي الإيراني.
إن هذا الصراع المنهجي يكشف عن صراع أعمق حول الشرعية المعرفية؛ فبينما يدعي محمد قنفودي معرفة الجماعة من خلال “الملاحظة الخارجية”، يرد علي تيزنت بتأكيد تفوّق “المعرفة المستمدة من الداخل” عموما ومن النصوص التأسيسية، خاصة عندما يكون المنظور الخارجي مشوبًا بعيوب منهجية وتحيزات سياسية محتملة. إن اختيار علي تيزنت للمنهجية النصية هو خيار استراتيجي يعيد تركيز النقاش على الأيديولوجيا الرسمية للجماعة، وهي الساحة التي يمتلك فيها سلطة معرفية لا يمكن إنكارها، ويبعده عن الساحة الأكثر غموضًا، والمتمثلة في تصريحات بعض الأفراد وممارساتهم التي ربما استند إليها محمد قنفودي.
المبحث 3: جدلية الداخل والخارج.. الموقعية وإنتاج المعرفة
يشكل هذا المبحث النواة التحليلية لهذا المقال، حيث ينتقل من مضمون الحجج إلى تحليل المواقع الاجتماعية للمتناظريْن نفسيْهما. يجادل هذا الجزء بأن فهم “موقعية” كل من علي تيزنت ومحمد قنفودي هو أمر لا غنى عنه لإجراء تقييم سوسيولوجي كامل وعميق لهذا السجال؛ فالمعرفة المنتَجة لا يمكن فصلها عن الظروف الاجتماعية والسياسية التي أنتجت فيها، ولا عن هوية ومصالح منتجيها.
3.1. محمد قنفودي: الأكاديمي الخارجي
يتموضع محمد قنفودي بوصفه باحثا في علم الاجتماع، متخصصا في الشأن الديني والحركات الاجتماعية، ومرتبطا بمراكز بحثية. موقع “الباحث الخارجي” هذا يمنحه، نظريًا، درجة من المسافة النقدية التي تعتبر ضرورية للتحليل الموضوعي. فهو غير منخرط تنظيميًا في الجماعة التي يدرسها، مما يسمح له بطرح أسئلة قد لا يطرحها الباحث المنتمي.
لكن هذا الموقع نفسه يعرضه لمخاطر تحليلية يستخدمها علي تيزنت بذكاء؛ فالباحث الخارجي، مهما بلغت درجة احترافيته، يواجه صعوبة في فك شفرات الرموز الداخلية، وفهم المعجم الخاص بحركة ما زالت مكرَهة على أن تكون مغلقة نسبيًا مثل جماعة العدل والإحسان، وتأويل الممارسات والخطابات في سياقها الدقيق. هذا الضعف المحتمل يفتح الباب أمام اتهامات باحتمال سوء الفهم أو التفسير السطحي، وهي التهمة التي يوجهها له علي تيزنت حين ينتقد خلطه بين “الرمزية الثقافية” لبعض المفاهيم داخل الجماعة، و”التحول العقدي” الحقيقي.
3.2. علي تيزنت: المثقف المنخرط تحت الضغط
تكمن أهمية تحليل موقعية علي تيزنت في تعقيدها الشديد؛ فهو قيادي في جماعة العدل والإحسان، لكنه أيضًا باحث أكاديمي متخصص في علم الاجتماع. هذه الهوية المزدوجة تمنحه وضعًا فريدًا.
فمن ناحية، تمنحه صفةُ “باحث داخلي” وصولًا لا مثيل له إلى المنطق الداخلي للجماعة، وتراثها النصي، وفهمًا عميقًا لمفاهيمها وكنهها أيضا. هذا ما يضفي على نقده وزنًا معرفيًا كبيرًا، فهو لا يتحدث من موقع التخمين المتعالي المفارق، بل من موقع المعرفة المحايثة المباشرة.
ومن ناحية أخرى، فإن موقعه لا يمكن فهمه بمعزل عن الضغط السياسي الذي يتعرض له؛ ذلك أن حقيقة قيام السلطات المغربية بمصادرة كتابه الأكاديمي “سوسيولوجيا التدين” من إحدى نسخ معرض الكتاب، ومنع حفل توقيعه، وتشميع بيته بسبب انتمائه السياسي، ليست مجرد تفاصيل شخصية، بل هي معطيات سوسيولوجية حاسمة. هذه الوقائع تعني أن كتابته لا يمكن قراءتها في فراغ سياسي؛ إنها كتابة تحت الحصار، وردّه على محمد قنفودي لا يمكن فصله عن هذا السياق. لذا، فإن تحليله ليس مجرد مراجعة أكاديمية وكفى، بل هو فعل من أفعال المقاومة الفكرية والسياسية التي يمارسها باحث تُنتهك حريته في التعبير والنشر بسبب آرائه وانتمائه.
3.3. الموضوعية، والدفاع، والنظرة السوسيولوجية
يطرح هذا التباين في الموقعية السؤال السوسيولوجي الجوهري: كيف تؤثر الموقعية على الموضوعية؟
قد يكون عمل محمد قنفودي، رغم تقديمه في إطار أكاديمي موضوعي، متأثرًا بالسرديات السياسية السائدة، أو منفعلا بالرغبة في إنتاج أطروحة مثيرة للجدل تحظى بالاهتمام وتجد قبولا لدى بعض مؤسسات السلطة. إن الباحثين ليسوا محصنين ضد تأثيرات الحقل السياسي الذي يعملون فيه.
في المقابل، يمكن تفسير عمل علي تيزنت، على الرغم من دقته المنهجية والمفاهيمية، كشكل من أشكال “الدفاع الأيديولوجي” المتطور؛ فهو يستخدم أدوات علم الاجتماع ليس فقط لتفنيد أطروحة يراها خاطئة، ولكن أيضًا للدفاع عن النقاء العقائدي لجماعته وإعادة تأكيد هويتها “الأصيلة”. إن الإقرار بهذا البعد الدفاعي لا يبطل قيمة نقده الأكاديمي، بل يثري فهمنا له. فهو يكشف كيف يمكن لعلم الاجتماع أن يصبح أداة في يد “المثقف العضوي” (بتعبير أنطونيو غرامشي) الذي يربط إنتاجه المعرفي بمصير الجماعة التي ينتمي إليها ويدافع عنها.
إننا هنا أمام مثال حي على ما قد يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو بـ “المثقف” الذي يوظف “رأسماله الأكاديمي” في “حقل سياسي”؛ فالسوسيولوجيا التي يمارسها علي تيزنت ليست سوسيولوجيا منفصلة أو محايدة، بل هي منغرسة في صراع اجتماعي وسياسي وتخدمه. إن مقاله هو أثر سوسيولوجي بحد ذاته، يكشف عن اندماج الأدوار الأكاديمية والسياسية. إنه في الوقت نفسه دفاع عن هوية جماعته، وشهادة شخصية ضد القمع، ونقد علمي رصين. إن تجاهل موقعيته يعني تفويت البعد السوسيولوجي الأعمق لهذا السجال برمته.
المبحث 4: النص السياسي الخفي.. وضع السجال في السياق المغربي
يتسع نطاق التحليل في هذا الفصل الأخير لوضع السجال بين علي تيزنت ومحمد قنفودي ضمن سياقه الاجتماعي والسياسي الأوسع في المغرب. والحجة الأساسية هنا هي أن هذا التبادل الأكاديمي ليس سوى تعبير سطحي عن التناقض السياسي العميق والمستمر بين النظام المخزني المغربي من جهة، وأبرز وأقوى حركة معارضة من جهة مقابلة.
4.1. جماعة العدل والإحسان معارضةً غيرَ قابلة للاحتواء
لفهم أبعاد السجال، لا بد من استحضار الموقف السياسي الفريد لجماعة العدل والإحسان. فعلى عكس حركات إسلامية مغربية أخرى، ترفض الجماعة المشاركة في النظام السياسي القائم الذي يهيمن فيه “المخزن”، والذي تعتبره نظامًا سلطويا في جوهره، إن لم يكن استبداديًا. يقوم مشروع الجماعة السياسي على هدف استراتيجي بعيد المدى هو استعادة “الخلافة على منهاج النبوة”، وهو ما يضعها في تعارض أيديولوجي مباشر مع النظام المخزني الذي يستمد شرعيته هو الآخر من مرجعية دينية. هذا الموقف الجذري يجعل الجماعة فاعلًا سياسيًا غير قابل للاستيعاب أو الاحتواء ضمن قواعد اللعبة السياسية التي يحددها “المخزن”، مما يضعها في حالة تقابل ضدي معه.
4.2. “الاحتواء الخطابي” كاستراتيجية سياسية
في هذا السياق من المواجهة، يصبح الخطاب ساحة رئيسية للصراع، إذ يمكن تحليل أطروحات أكاديمية مثل أطروحة محمد قنفودي، بغض النظر عن نيات كاتبها، باعتبارها جزءً مما يمكن تسميته باستراتيجية “الاحتواء الخطابي” التي قد تخدم أهداف النظام المخزني المغربي. إن وسم جماعة العدل والإحسان بتهمة “التشيع السياسي” يغذي سردية تدعمها جهات رسمية أو شبه رسمية، تسعى إلى تصوير الجماعة ككيان “أجنبي” و”طائفي” و”خطير”، وبالتالي نزع الشرعية عن جاذبيتها الشعبية الداخلية ومطالبها السياسية.
هذه الاستراتيجية تكتسب قوة إضافية من خلال ربطها بالسياسة الإقليمية، حيث يوفر التنافس بين المغرب وإيران خلفية خصبة لمثل هذه الاتهامات. إن تحويل صراع سياسي محلي (بين النظام والجماعة) إلى قضية أمن قومي تتعلق بنفوذ أجنبي (إيران) هو تكتيك سياسي كلاسيكي معهود الاستعمال والتوظيف لتهميش المعارضة وحشد الرأي العام ضدها.
4.3. رد علي تيزنت فعلاً مضاداً للهيمنة
من هذا المنظور، يمكن تفسير مقال علي تيزنت على أنه “فعل مضاد للهيمنة”؛ فهو لا يكتفي بتصحيح ورقة أكاديمية، بل يخوض معركة نشطة للسيطرة على التعريف العام لحركته. إن إصراره على مفاهيم “المنهاج النبوي” والجذور السنية والصوفية للجماعة هو إعادة تأكيد استراتيجية لهويتها المغربية الأصيلة، بهدف تحصينها ضد الارتباطات الخارجية التي تضر بها وجوديا وسياسيًا وشعبيا لو تمكن مقال محمد قنفودي من إثباتها و”إقناع” الجهات المعنية بصدقيتها.
إن السجال الأكاديمي هنا يصبح حربًا بالوكالة عن الصراع السياسي الأكبر؛ فمن يسيطر على المفاهيم، هو الذي يسيطر على السردية طرديا. إن ما نشهده هو صراع داخل “حقل الصراع”، حيث يتم حشد المفاهيم الأكاديمية وتوظيفها لتحقيق أهداف سياسية. والرهانات هنا لا تقتصر على حاشية في مجلة علمية أو موقع بحثي، بل تتعلق بالصورة العامة والمستقبل السياسي لأكبر حركة معارضة في المغرب. ويأتي رد علي تيزنت ليؤكد حقيقة أن الكتابة الأكاديمية، بالنسبة للمثقفين المنخرطين في قضايا مجتمعاتهم، لا يمكن أبدًا أن تكون منفصلة عن الواقع السياسي الذي يشكل حياتهم ويحدد مصائرهم.
خاتمة: تركيب سوسيولوجي
في ختام هذا التحليل، يتضح أن رد الدكتور علي تيزنت على الباحث محمد قنفودي هو وثيقة متعددة الأوجه وذات أهمية سوسيولوجية بالغة. تكمن قوة هذا الرد في تفكيكه المنهجي لمفهوم تم إسقاطه في غير سياقه، وإرساله في غير مجراه، وفي نقده المنهجي الصارم الذي يكشف عن مواطن الضعف في الدراسة الأصلية. ومع ذلك، فإن الفهم السوسيولوجي الكامل يتطلب تجاوز مجرد المصادقة على حجج علي تيزنت الأكاديمية.
يجب فهم عمل علي تيزنت من خلال عدستين متكاملتين: عدسة التحليل الأكاديمي الرصين، وعدسة موقعه بوصفه مثقفا منخرطا في الدفاع عن جماعته التي تتعرض لضغوط سياسية شديدة. إن رده ليس مجرد مساهمة علمية، بل هو فعل سياسي، وشهادة شخصية، وممارسة للمقاومة الفكرية.
في نهاية المطاف، يقدم السجال بين علي تيزنت ومحمد قنفودي دراسة حالة نموذجية في سوسيولوجيا المعرفة، حيث يكشف بوضوح كيف يمكن للنقاشات الأكاديمية أن تتحول إلى ساحات مركزية للصراعات السياسية الأساسية حول الهوية والشرعية والسلطة في المغرب الراهن؛ إنه يبرهن على أن المعرفة ليست محايدة أبدًا، وأن إنتاجها وتداولها وتفنيدها هي عمليات اجتماعية وسياسية بامتياز، لا يمكن فهمها إلا بوضعها في سياق علاقات القوة التي تحيط بها وتتشكل من خلالها.
باحث في فلسفة التواصل، المغرب
