الأحزاب السياسية من الضمور الى القبور
لا احد ينكر أهمية الأحزاب السياسية في الأنظمة الديموقراطية ، ولكن على أساس أن تكون قائمة على أسس ونظم تجعل منها طرفا في الحكم ومنها تتخرج الأجيال والنخب السياسية وتكون مصدرا للثقافة السياسية ومنطلقا للسياسة النبيلة والشفافة والبناءة .إلا أنه في بلادنالم تعد الساحة السياسية المغربية تحتمل كل هذا الاكتظاظ الحزبي الذي لم يزدها إلا غموضا وفوضى ،بتواجد مكونات لا تضيف أية قيمة سياسية ، بل تشكل عبئا على المالية العامة فقط وتحدث ضجيجا سياسيا يخل من وضوح الرؤية للمواطن المغربي ويعكر عنه صفو الساحة السياسية المرغوب في الوصول اليها ، لاختيار حزبي يفيد الوطن في إرساء قواعد الديموقراطية ،ففي البداية كان حزب الاستقلال الذي نشأ في ظل الاستعمار وساهم في بناء الحس الوطني للشعب لطرد المستعمر الفرنسي والإسباني، الى جانب أحزاب الشورى والاستقلال و الحركة الشعبية، وهذه الخريطة السياسية الحزبية على بساطتها كان من شأنها أن تفرز سياسة مناسبة لتلك المرحلة ، غير أن النظام السياسي سرعان فطن للعبة السياسية خاصة لما تدخل الجيش بانقلابين فاشلين ضد الملكية ، واتهام تورط عناصر حزبية من اليسار الذي خرج من حزب الاستقلال لما قطعت أوصاله ليخرج من رحمه حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وتوالت الانقسامات الحزبية حتى صارت صناعة مغربية بامتياز وأصبح لدينا ما يسمى بالأحزاب الوطنية والأحزاب الإدارية ، كلها لا تشفي غليل المواطن ولا تشبعه إبحارا في عالم السياسة الذي يرقى بالشعوب ويحفظ كرامتهم ويصون حرياتهم.
آراء أخرى
ويعود هذا التفكك الحزبي علاوة على النشأة الأولى للأحزاب المغربية التي جعلت من البنية الحزبية لصيقة بشخص الزعيم ولا تقوم ولا تجلس إلا بإمرته وبذلك لم تكن ظالمة لذاتها لأنها نبتة تربتها التي وجدت على أرضية سياسية محافظة غير قابلة للتغيير ولا مراوحة أي اتجاه سياسي أو اقتصادي او اجتماعي، ، يعود هذا التفكك أيضا الى إرادة سياسية تجد في هذا الخليط العديد من الفرص لإعداد عدة وصفات حكومية وبرلمانية ومشاتل لنخب تابعة للنظام السياسي ومؤيدة لقراراته مهما كانت ، وتسير وفق منظور ذلك النظام السياسي وتتبع تفاصيل كل الإجراءات المتخذة في أي حقل من حقول السياسة سواء كانت وطنية أو خارجية اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية ، وهذا ليس وليد الزمن السياسي الحديث بل ذاك ما كان موجودا ومتداولا لقرون مضت،
فلا بد أن نقر بأن النظام السياسي وبنيته له يد في ذلك للحفاظ على طبيعته وتركيز أسسه مستفيدا من التجربة التي مر بها منذ زمن السيبة وكيفية التعامل مع القبائل في الجهة الشرقية من البلاد أيام ما كان يطلق عليها ب”السيبة ” ومع الجيش وعناصر من بعض التيارات السياسية اليسارية، لهذا فالبنية الحزبية المغربية لم تعد بتاتا تشكل أملا واسعا للمواطن المغربي التي يمكنها أن تعتبر كحجر أساس لبناء ديموقراطية لها القدرة على إرساء نظام سياسي على أساسها للنهوض بالبلد اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، لماذا؟ لأن الأحزاب المغربية منذ نشأتها المستمدة من فكر سياسي غير متعدد المشارب ولم تكن له بيئة سياسية ناضجة قادرة على أن تفرز أحزابا سياسية متكاملة الأبعاد والأسس، فهي عبارة عن مكونات تحوم حول أشخاص أو بضع أهداف لم تحدد لا وسائل الوصول لها ولا العناصر القادرة فكريا وعمليا على انتاج بعض منها ولو على المدى القصير، وكل العناصر التي تكون ذات بعد سياسي وفكري يتم إقصاؤها.
وفي بداية الأمر الأحزاب المغربية لم تكن فكرة الأحزاب هو الشغل الشاغل للمواطن العادي بل لنخب كانت على اطلاع بالفعل السياسي وأهميته ، كما لم تكن نشأتها وسط الشعب ومن مطالبه بفدر ما كانت في أغلبها وسيلة للقيام بدور في النظام السياسي الذي يتجاوز تلك التنظيمات في اتخاذ القرارات ، بل إن الأحزاب في المغرب قبلت أن تكون جزءا من الديكور السياسي وتتقاضى مقابلا على ذلك عينا او مركزا في المجتمع أو في السوق الاقتصادي ولم لا بعض الكراسي في الإدارة العمومية والترابية.
وهذا ما يفسر بجلاء عزوف الشباب عن الانتماء للأحزاب السياسية، وما ظاهرة جيل “زد” وقبلها حراك 20 فبراير 2011 إلا بعضا من كثير من علامات النفور من الأحزاب المغربية التي تتوالد بشكل مخيف لأن ذاك الزحام السياسي بحد ذاته يجعل المواطن العادي في حيرة الاختيار والرسو على فكرة محددة من شأنها أن تساعده على سلوك خط سياسي معين، والحال أن الخريطة السياسية الحزبية بمثابة متاهة للساحة السياسية المغربية لا تؤدي لأي مكان أو هدف. وما يزيد في تعقيد بنية الأحزاب السياسية عندنا هو أنها بنية تنمو وتترعرع في حضن النظام السياسي وبالتالي تتحرك عبر القنوات والمسارات التي تحددها لها الأجهزة الرسمية وخاصة وزارة الداخلية وأجهزة المخابرات. مما يجعل منها عبارة عن مراكز أو ملحقات جاهزة لتنفيذ المطلوب منها ، وبالتالي ما هي إلا مرددة لسياسة الدولة بصيغة و لون مغاير في الظاهر ليقول نفس الشيء في العمق ، أي أن اغلبية الأحزاب المغربية لا تتوفر على قواعد ومعطيات وخط سياسي يميزها عن بعضها البعض وعما تعتبره الدولة أولوية ، وبالجملة عندنا أحزاب تتناسل بدون إيديولوجية ولا أسس فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تتميز بها وتختص بابتكارها انطلاقا من المجتمع التي وجب أن تشكل اختزالا وصورة مصغرة منه.
إذن نحن أمام مشهد حزبي مركب الأضلع كل ضلع منه غريب عن الأخر ولا تناغم بينها بل كلها تستجيب لمركز القرار الذي أنشأها أول مرة ، وما تأسيس الأحزاب على البقاء بتمويل من ميزانية الدولة التي يقوم بأموال الضرائب التي يدفعها الشعب إلا دليل على أن تلك الأحزاب التي من المفروض أن تمول من قبل حاملي أفكارها وقناعاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والمدافعين عليها ليصلوا للحكم وتنفيذها كسياسات الحزب لما يصل لسدة الحكومة ، والحال أن الأمر ليس كذلك بل تعيش الأحزاب وجرائدها على أموال الشعب ، هي لا ترد ولو في جزء منه الى الشعب بمساندته على الأقل بمحاربة الفساد والريع والظلم الذي يجد كل التسهيلات ليقع على رؤوس المواطنين ، ولا يجد من يحميه من ذلك . وهكذا نجد أمامنا مشهد حزبي جامد لا حراك فيه، فلا قيادة ذات كاريزما ولا عناصر حزبية نافذة ونشطة داخل المجتمع تثير النقاش وتديره وفق أدبيات وبرامج الحزب، بل الساحة السياسة بالمغرب كلها انتظارية لتلقي الإشارات إن لم نقل التعليمات للتحرك، فنحن أمام مكونات سياسية تشبه أوركسترا تعزف مقطوعات مكتوبة على مدرج الموسيقى. وما يكرس ويزيد في تكلس البنية الحزبية المغربية هو تركيباتها التي تشكل عقبات في تطورها وقيامها بدورها السياسي المنوط بها ، فغالبية الأحزاب المغربية تطغى عليها العناصر العائلية والقبلية في أجهزتها المسيرة والمالية ،كما ان الزعامات الحزبية تعتبر نفسها خالدة ولا تتنحى إلا بقدر الموت ، فها هو الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي كبقية القيادات الحزبية في بلادنا ، يراكم العهدة الرابعة على التوالي ،وسط ذهول المتتبعين للشأن الحزبي المغربي إلا أن ذلك لم يكن مفاجئا لما صار عليه هذا الحزب الذي كان في زمن سياسي ماض يشكل فعلا اليسار وقدم مناضلوه تضحيات كثيرة ذهبت الآن سدى مما يشكل نكسة للفكر السياسي الساعي للتغيير بالمغرب.
لذلك لم تعد الساحة السياسية المغربية تضم مناضلين ولا نخب من داخل الأحزاب التي نفضت ايديها من النضال السياسي ولم تعد تتوفر على أي مشروع سياسي او اقتصادي او اجتماعي او فكري، ولا تستمد وجودها من أي أيديولوجية، فلن نكون مبالغين إن وصفنا كل الأحزاب المغربية عبارة عن صناديق فارغة مع استثناءات قليلة جدا. فلا منخرطين يحضرون لمقارها ولا أنشطة ونقاشات تثير الحرارة بداخلها ، ولم نعد نرى مظاهرات تقودها تلك الأحزاب التي تسمى باليسارية بالرغم من تردي الأوضاع المغربية على جميع الأصعدة ، وما ظهور احتجاجات لا تحمل أي انتماء كما كان حال حراك 20 فبراير 2011 وحراك جيل” زد” إلا دليلا على أن أحزاب المغرب لم تعد لها أي وجود سياسي في الساحة السياسية المغربية ، وأصبحت كائنات سياسية عاقرة قبل أن تصل لسن اليأس وأصبحت في ثلاجة النظام السياسي لتمر من مرحلة الضمور السياسي في انتظار نقلها الى المقبرة السياسية المنسية .
فكل هم تلك المكونات الحزبية للساحة السياسية المغربية هي فضاءات لفراغ عميق للفكر السياسي الذي لم يطور نفسه ولم يحرك أليات عمله وبناء منخرطيه على مدرسة سياسية تلقن المواطنة الحقيقية والنضال من أجل المبادئ الإنسانية والحقوقية والسياسة النبيلة، عوض أن تكون كذاك ، فها هي عبارة عن تجمعات في أسواق أسبوعية بلا سلع ، بلا مشتري ولا بائع ، سوى تبادل لأحاديث لا تجدي نفعا ووهم يوضع على الطاولة السياسية للبيع في سوق البوار .
ومشكلة الأحزاب المغربية أنها في غالبها نشأت كما ينشأ الرضيع في الأنبوب خارج رحم الشعب لينال الحمض النووي لهذا الأنسان المغربي الذي نبت فوق هذه الأرض وأقام معها علاقة حب لا تنفصل، ولكن أحزابنا بحكم تلك النشأة لا تلامس مطالب مجتمع تيعاني ولا تقترب منه لسماع أناته وآلامه، فصارت لنا أحزابا انتهازية في كل شيء حتى النضال الشعبي وانتفاضاته تنتهزها لتركب عليها، ولكنها لتحولها الى سياسة أقل ما يمكن القول عنها أنها مسخ، لا هي من هنا ولا هي من هناك.
فإن كل همها أن تصل لكرسي السلطة سواء بالبرلمان أو الحكومة أو مناصب عليا في الإدارة العمومية وتحاصر كل مشروع اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي إن لم يكن يصب في حجرها، فطبيعي أن تكون كذلك لأنها أحزاب استقطبت أصحاب المال وتحكمت تلك الأموال في قيادتها لتصل للهدف المرسوم سلفا وهو ترويض السياسة الفعلية لتصير تابعة لجشع الرأسمال وأصحاب الشركات الاحتكارية وتبادل المنافع والمصالح بينها، والشعب بكل طاقاته وجهوده تصير شغيلة لديها بدون أجر يحفظ ماء وجهها . فها نحن نرى البرلمان في مختلف نسخه والحكومات التي توالت على مقود السياسة لا يخرج عن كونها هيئات بلا معالم ثابتة ولا أسس شعبية في قراراتها وطرق عملها التي تصب كلها في القاعدة الشعبية .
والحديث عن الأحزاب السياسية المغربية تصدق على المكونات السياسية كالنقابات وأجزاء كبيرة من المجتمع المدني ، ناهيك عن الفاعلين العاملين في مجالات أخرى لكنها كلها بأهداف سياسية موالية للنظام السياسي ، كالزوايا الدينية والجمعيات المدنية ذات طابع خيري أو مدرسي أو تنسيقيات ، أغلبها تتلقى الدعم من أجل أن تملأ الساحة السياسية وتخلق ضجيجا لا يفهم منه أي شيء ولكن المهم هو أن يكون هناك ازدحام في قلب الساحة السياسية ، مهما كان اتجاهه مادام يخدم مركز القرار الذي تستحوذ عليه نخبة سياسية تكاد تكون هي ذاتها على طول الزمن السياسي المغربي.
والخلاصة هي أنه لتنقية الساحة السياسية من كل هذه الكائنات التي هي بين الحياة والموت، أن يتم الخروج من هذا الوضع الذي لن يؤدي إلا لوضعيات لا يتمناها أي مواطن، لذا وجب من الآن العمل على عدم الترخيص لأي حزب ينشأ على تلك القواعد القانونية والأخلاقية والمكونات البشرية المنتمية لها ، القديمة بل على قواعد جديدة تضمن المشاركة الفعلية للمواطن بأعداد وتوقيعات معقولة تؤمن لهذا الحزب البقاء في الساحة بتوفره على مشروع سياسي بكل التفاصيل والأجندات الزمنية والمالية وكذا الوسائل المادية والبشرية ، مع قوانين داخلية تضمن التداول على التسيير لهياكل الحزب وميزانيته المكونة من إنخراطات المنتمين للحزب الحديث النشأة مع أجهزة مراقبة لنفقات هذه الميزانية يقوم بها جهاز خارجي عن الحزب ومحايد ، وطبعا مع وضع شروط كلها تحد من تناسل الأحزاب بل اشتراط أن تكون حاملة لمشاريع بوسائل وطرق جديدة ولم يسبق لأي من الأحزاب أن تقدمت بها ، وتكون القوانين الداخلية للأحزاب المراد إنشاؤها تخصص مجالات واسعة للقاعد الحزبية بالمشاركة في تغيير ما تشاء في عمل الحزب طبقا لما هو منسجم مع الدستور القائم ، وبما أن أحزابنا السياسية التي بلغت أكثر من 30 حزبا وهي في جلها لا حراك سياسي أو ثقافي أو تظاهري لها ، بل اختار ت الضمور والانزواء في ركن الساحة السياسية في إنظار أن تحركه الجهة التي أنعمت عليه بالتواجد المطمئن ،لم لا نسرع بها للقبور ؟ أليس من إكرام الميت هو الإسراع بدفنه؟
