التشيع السياسي في المغرب: قراءة نقدية في مقال محمد قنفودي
في هذا المقال النقدي، يعمد الدكتور علي تيزنت إلى تفكيك أطروحة الباحث محمد قنفودي في مقاله «التشيع السياسي في المغرب: جماعة العدل والإحسان أنموذجًا»، مبيِّنًا أن مفهوم “التشيع السياسي” الذي تبناه الكاتب يعاني التباسًا مفاهيميًا ومنهجيًا؛ إذ لم يحدد معناه بدقة، فاختلط فيه البعد العقدي بالتاريخي والسياسي، مما جعله يتحول من أداة للتحليل إلى وسيلة للإدانة. ويرى تيزنت أن إسقاط مفهوم نشأ في سياقات مذهبية شرقية على تجربة مغربية ذات جذور سنية وصوفية هو انزلاق تأويلي يُفقد التحليل عمقه السوسيولوجي.
آراء أخرى
ثم ينتقل إلى نقد منهج قنفودي، معتبرًا أن دراسته تفتقر إلى الصرامة العلمية، إذ اعتمدت على عينة ضيقة غير ممثلة، وغابت عنها أدوات التحقق والقياس، فاختزلت ظاهرة معقدة في استنتاجات عامة. كما أن الكاتب لم يميز بين الرمزية الثقافية لبعض المفاهيم داخل الجماعة وبين التحول العقدي، مما جعله يستبدل البرهان بالسرد والافتراض بالتعميم، في ابتعاد واضح عن مقتضيات البحث السوسيولوجي الرصين.
ويختم تيزنت بأن القراءة التي قدّمها قنفودي لجماعة العدل والإحسان اتسمت بالانتقائية في التعامل مع نصوص الإمام عبد السلام ياسين، إذ اقتطع منها ما يخدم فرضيته وأغفل نصوصًا صريحة تنفي أي صلة بالتشيع. فخطاب الإمام، في نظر تيزنت، يقوم على “المنهاج النبوي” الذي يزاوج بين العدل والإحسان، والتربية والسياسة، دون أن ينزلق إلى العصمة أو الولاية، وهو مشروع تربوي حضاري يهدف إلى بناء الإنسان والمجتمع، لا إلى تأسيس نموذج “ولاية فقيه” جديدة.
وفي ما يلي نص المقال:
في مقاله الموسوم بـ “التشيع السياسي في المغرب: جماعة العدل والإحسان أنموذجًا” والمنشور بموقع مومنون بلا حدود بتاريخ 15 أكتوبر 2025، استلهم الباحث محمد قنفودي جملة من الاستعارات المفهومية والمقولات المضمونية استقاها من منظومة الفكر الإسلامي على تنوع مدارسه وتباين اتجاهاته، محاولًا إنجاز مهمة “عبور” بين الماضي والحاضر، وتنفيذ عمليات إسقاط لمفاهيم نشأت في سياقات مخصوصة على “تنظيم إسلامي” اعتبره “فريدا” من حيث السلوك السياسي والانتماء الفكري والعقدي.
إن الدراسة الحصيفة للمقال تدعونا إلى مساءلة المسوغات العلمية التي بنى عليها أطروحته الفكرية، والاختيارات المنهجية التي أسس عليها مقالته، كما تدفعنا إلى مساءلة الجهاز المفهومي الذي تبناه والمعطيات المعرفية التي استند إليها، كل ذلك من خلال سجال عميق وحوار هادئ حول المفاهيم والمنهج والمضمون.
1. الالتباس المفهومي: بين طموح التوصيف وعوز التأصيل
اختار الكاتب افتتاح مقاله بمفهوم سجالي تغيى من خلاله تحقيق نوع من “الاجتراح المفهومي” و”التميز التوصيفي” في مقاربة قضية الجماعات الإسلامية عبر نموذج جماعة العدل والإحسان. غير أن هذه الرغبة في التميز المفهومي تحولت إلى توتر دلالي بين طموح التجديد وعوز التأصيل؛ فالمفهوم الذي وظفه الباحث يفتقر إلى كثير من التعريف الإجرائي، ويظل عالقا بين اللغة الاتهامية والمصطلح الأكاديمي، فلا هو مصطلح علمي منضبط، ولا هو توصيف وصفي محايد.
وحيث إن المفاهيم هي مرايا الفكر ومحددات الفهم ووسائط الإفهام، فإن المفهوم، بهذا الأفق، يغدو بناء ذهنيا مجردا وأداة معرفية تنظم التفكير وتوجه الفهم، وتحول الظواهر إلى معان قابلة للتحليل داخل نسق نظري ومنهجي محدد.
لذا صار من تقاليد البحث العلمي ومقتضياته أن يوضح الكاتب، منذ العتبات الأولى لمقاله، ماذا يقصد بالتشيّع السياسي؟ وما حدود هذا المفهوم في الدرس السوسيولوجي؟ وما دلالاته في الحقل التداولي الإسلامي المعاصر؟ إذ لا يعقل أن يبنى التحليل على لفظ ملتبس يجمع بين مدلولات عقائدية وتاريخية وسياسية دون تحديد لمستواه الدلالي المقصود.
إن غياب هذا التأصيل المفهومي أوقع المقال في انزلاق تأويلي خطير، إذ تحول “المفهوم” من أداة للفهم إلى أداة للاتهام، ومن فضاء معرفي إلى خطاب مؤدلج يخضع لحسابات مسبقة أكثر مما يستند إلى تحليل موضوعي.
غير أن الحديث عن “التشيّع السياسي” لا يمكن أن يقارب بمعزل عن تعقيد المفهوم ذاته وتشابكاته التاريخية والمعرفية فالتشيع ليس مجرد انحياز مذهبي أو نزعة روحية متفردة، بل هو أحد المفاتيح الكبرى لفهم تاريخ الإسلام السياسي منذ اللحظة التي أغلق فيها باب النبوة وبدأ الجدل حول من يحق له أن يرث مقام القيادة في الأمة.
في تلك اللحظة التأسيسية، نشأت الثنائية الكبرى بين أهل السنة والجماعة الذين جعلوا الإمامة فرعا من فروع الفقه والسياسة الشرعية، تُحسم بالشورى والبيعة، وبين أهل الشيعة الذين رفعوها إلى أصل من أصول الدين، معتبرين أن النص الإلهي خص بها آل البيت دون سواهم. ومن هذه المفارقة العقدية الأولى، بدأت التراكمات الفكرية والسياسية والمذهبية التي ستنحت مع مرور القرون خريطة الإسلام المتنازع على معاني الشرعية والحق والمشروعية.
لقد تداخل في هذا المفهوم، الديني والسياسي، الاعتقادي والتاريخي، التأويلي والمصلحي، الروحي والسلطوي، فتحول التشتع من مجرد رؤية في الحكم إلى بنية عقدية ونمط في السياسة والحكم يرى في الإمامة استمرارا للنبوة في معناها الشخصاني لا التشريعي، يقابلها تصور سني يجعل الخلافة تدبيرا بشريا اجتهاديا.
هذا التباين في التصور كان وراء أكبر انقسام عرفه تاريخ الأمة الإسلامية، انقسام لم يقف عند حد الجدل النظري، بل انفجر في حروب وسيوف وسفك دماء – من صفِّين إلى كربلاء، ومن النهروان إلى ثورات الزيدية والقرامطة – حتى تحول الخلاف حول الإمامة إلى سجال دامٍ يقوده التأويل ويغذيه التكفير.
ومن هنا يتضح أن مفهوم التشيّع ليس توصيفا محايدا بقدر ما هو بنية دلالية كثيفة تراكمت فيها آثارٌ تاريخية وعقدية وسياسية طويلة. لذلك فإن توظيفه في قراءة تجربة مغربية معاصرة، مثل جماعة العدل والإحسان، يستدعي احترازا منهجيا مضاعفا في تحديد المستوى المقصود من الدلالة (عقدي/سياسي/تاريخي)، وبيان المؤشرات الإجرائية القابلة للقياس، وتفادي إسقاطات السياقات المغايرة. فكل تسرع في استعماله قد ينزله من أداة تفسيرية إلى مدخل لإسقاط أحكام مسبقة، ومن إطار للفهم المقارن إلى منظور انتقائي يُغفل التشابك التاريخي للمفاهيم الدينية والسياسية ويقع في تصنيم المصطلح بدل تحليله.
2. الضمور المنهجي أو حينما يضيع الاستدلال بين ثنايا الفرضية
إذا كان الخلل المفهومي في المقال قد أوقع صاحبه في التباس الدلالة، فإن الخلل المنهجي أمعن في تعميق هذا الالتباس بتحويل الفرضية إلى يقين، والاستنتاج إلى مسلمة، فبدا المقال منذ بدايته محكوما برغبة جامحة ومتعجلة أكثر من كونه اشتغالا على تساؤلات علمية وفرضيات مدروسة، ومن تم لم يكن المنهج في النص أداة لتنظيم التفكير، بل وسيلة لتبرير موقف مؤدلج أُلبس لبوس التحليل السوسيولوجي.
يُصر الكاتب على نسب “التشيُّع السياسي” إلى جماعة العدل والإحسان دون تقديم أية معايير علمية قابلة للتحقق أو مؤشراتٍ إمبيريقية تثبت هذا الادعاء، فالعينة التي استند إليها، والمكونة – كما يصرح- من سبعة أفراد فقط، لا تسمح بأي تعميم سوسيولوجي أو استنتاج نوعي معتبر، والأدهى أن المقال يستند إلى دراسة سابقة للكاتب نفسه، غابت فيها المعطيات الضرورية عن طبيعة العينة ودواعي اختيارها ومستوى تمثيلها، كما تم تغييب دليل المقابلات وأدوات التحليل وعرض النتائج.
مما يجعل الدراسة مفتقرة إلى أدنى مقومات الصرامة المنهجية التي تفرضها البحوث السوسيولوجية المقارنة: ضبط المفاهيم، بناء فرضيات قابلة للدحض، وتمييز السببي من القريني. فالكاتب لم يحدد طبيعة العلاقة بين المتغيرات المدروسة (الانتماء للجماعة ← التحول العقدي)، ولم يميز بين التمثل الرمزي للتشيُّع (توظيف معجم المظلومية/العدل) والتحول العقدي إلى الإمامية – وهو تمييز بَديهيٌ في التحليل الثقافي والديني المعاصر- وهكذا اختزل الواقع في سرد ذاتي لحالات جزئية، دون مساءلة السياقات الاجتماعية والسياسية والإعلامية التي تلازم ظاهرة التحول الديني بالمغرب.
إن أخطر ما في هذا الاضطراب المنهجي أنه يحول الملاحظة الجزئية إلى قاعدة كلية، ويستبدل البرهان بالسرد، والعينة الضيّقة بالنتيجة المعمّمة، وبذلك يفقد المقال شرطه العلمي الأول: قابلية الادعاء للتحقق والمراجعة. فكل دراسة تزعم الانتماء إلى الحقل السوسيولوجي مطالبة بكشف آليات اشتغالها، ومصادرها، وحدود صلاحية نتائجها لا أن تعيد إنتاج تصورات نمطية تحت غطاء المصطلحات الأكاديمية.
3. انتقائية النصوص وتوجيه القراءة: من الاستشهاد إلى الانتزاع
إن القراءة المتأنية لمقال محمد قنفودي تكشف أن الإشكال لا يقف عند حدود التباس المفاهيم أو ضعف المنهج، بل يتعداه إلى ما يمكن تسميته بـ “الانتقائية الموجهة”؛ إذ تم التعامل مع نصوص الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله باعتبارها مقتطفات يتم اقتباسها حسب الحاجة، لا نسيجا فكريا متكاملا له منطقه الداخلي ونظامه الدلالي.، فبدلا من أن يقارب الكاتب خطاب الجماعة من داخله، وفق منطقه المفاهيمي ومساره التربوي، اختار أن يقرأه من خارجه، من موقع المنتقي لا من موقع الباحث، فحول النصوص إلى أدوات خادمة لا حوامل ناظمة.
يستفاد من المقال أن قنفودي استحضر نصوصا من كتب مثل العدل: الإسلاميون والحكم والمنهاج النبوي ورجال القومة والإصلاح، وانتزع منها ما ظنه دليلا على “تأثر ياسين بالتشيّع السياسي”، لكنه أغفل عن قصد أو عن غير قصد نصوصا أخرى قاطعة الدلالة تفند هذا التأويل. ومن ذلك ما قاله الإمام ياسين رحمه الله بوضوح:
“أما الذين يزعمون أنني شيعي فهؤلاء يهرفون بما لا يعرفون، ويفتاتون علي افتياتا… أنا أحرص الناس على أن تسمعوا مني، وعلى أن تشهدوا علي أنني أرفض الروافض وأكرههم، وأعتقد أن من ينتقص من صحابة رسول الله هذا عرضة للهلكة يوم القيامة” (1)
هذا النص، بوضوحه ودقته، لا يترك أي مجال لتأويل عقدي أو سياسي يُدرِج صاحبه ضمن “المتشيعين”. فالإمام عبد السلام رحمه الله هنا يحدد انتماءه العقدي بجلاء، من داخل النسق السني المغربي، لا من تخوم التشيُّع ولا من ضفاف المواربة الفكرية، بل إنه يضيف مؤكدا:
“ليس الشيعة أعداء السنة، وما ينبغي أن ينفخ النافخون في النار المستعرة ليزيدوها ضراماً… فعسى نعلم ونعمل، ولعل في الجواب عن السؤال البسيط: هل فسد الحكم في عهد مبكر أم لم يفسد؟ بما يرتاح له ضمير المؤمن وعقل الناظر ومنطق المحلل ما هو كفيل أن يتوجه بنا إلى العلم النافع والعمل البناء. ” . (2)
هذه الفقرة تكشف بجلاء أن الإمام ياسين رحمه الله لم يكن معنيا بالمناكفة المذهبية، وإنما كان معنيا بإنجاز قراءة جريئة وعميقة للتاريخ الإسلامي، من أجل فهم أسباب الانحراف السياسي بعد الخلافة الراشدة. غير أن الأستاذ قنفودي خلط بين نقد التجربة السياسية والانتماء لاختيار عقدي ومنهج سياسي، فحول الاجتهاد التاريخي إلى انتساب مذهبي ولوى عنق الكلم ليلبس حديثا عن التغيير والقومة والإصلاح لبوس التشيع وعمامة الولي الفقيه.
والحاصل أن المتمعن في كتابات عبد السلام ياسين رحمه الله يدرك أنه كان يسعى إلى تجاوز الثنائية المذهبية الموروثة بين السنة والشيعة عبر أفق توحيدي رحب، لا إلى إذكاء صراعها. فهو يعتبر الشيعة من أهل القبلة الذين لا تُكفّرهم الأمة، ويدعو إلى التلاقي المعرفي والقلبي معهم من أجل نهضة جامعة، لا اصطفاف عقدي ضيق. وهذه النظرة لا تترجم ” تشيعا سياسيا “، بل وعيا حضاريا يميز بين الوحدة في الأصول والتنوع في الفروع.
وحتى في حديثه عن الثورة الإيرانية، لم يتعامل معها الإمام ياسين بوصفها نموذجا عقديا، بل بوصفها تجربة تاريخية مثيرة للدرس والتحليل. فهو يرى فيها لحظة من لحظات استيقاظ الوعي الإسلامي بعد قرون من الجمود، لا أكثر. لكن الكاتب أخل بهذا التمييز، فحول “الدرس التاريخي” إلى “تأثر مذهبي”، و”التحليل السياسي” إلى “تماه عقدي”. وهنا يتجلى الخلل المنهجي الأكثر خطورة: إسقاط المضمون العقدي على الموقف السياسي دون مراعاة للفروق الدقيقة بينهما.
كما أن الإمام ياسين رحمه الله، بخلاف ما يروج له المقال، لم يكن خطابه غارقا في السياسة أو في وهم الثورة، بل ظل يؤكد أن التغيير المنشود لا يتحقق إلا عبر التربية وبناء الإنسان، ففي نصه الشهير يقول:
“في كل ما نكتبه ونقوله نقول التربية ثم التربية ثم التربية… نطلب الله عز وجل ونحن نهيئ القوة، وندخل المعارك السياسية، ونخطط لمستقبل الإسلام، لكن أن نفعل هذا -كما يقول بعضهم- ونرجئ التوبة حتى تقوم الخلافة… فستكون خلافة للشيطان في الأرض.” (3)
هذه الرؤية التربوية-الحركية تُفند التصور الذي قدمه المقال لجماعة العدل والإحسان باعتبارها مجرد تنظيم سياسي مهووس بالسلطة،
فالفعل السياسي عند الإمام ياسين رحمه الله امتداد للفعل الإيماني، والغاية منه إقامة العدل وإنجاز الشورى بروح الإحسان وأنفاس التقوى، وهو تصور لا يمت إلى التشيّع السياسي بصلة، بل ينهل من عمق التجربة النبوية الراشدة التي تمزج بين الخلاص الفردي والتحرر الاجتماعي.
إن الانتقائية التي مارسها الكاتب ليست مجرد غفلةٍ منهجية، بل تنتمي إلى ما سماه بيير بورديو بـ “العنف الرمزي المعرفي”، أي فرض رؤية مسبقة على النصوص باسم التحليل العلمي. فبدل أن يصغي الباحث إلى صوت النص، جعل النص صدى لافتراضاته، فغابت الموضوعية وحضر الاستدعاء الإيديولوجي. إن المقال، في جوهره، لم يقدم قراءة سوسيولوجية بقدر ما أعاد إنتاج خطاب استشراقي داخلي، يستبدل الآخر الغربي بآخر ديني محلي، ويسقط عليه التهمة نفسها: الغرابة، والتهديد، والانحراف عن “الأرثوذكسية” السائدة.
إن الموقف المنصف من جماعة العدل والإحسان يقتضي قراءة تحليلية شاملة لخطابها التربوي والسياسي والفكري والتنظيمي والاجتماعي، ومقارنة دقيقة بين مفاهيمها ومفاهيم التشيُّع الإمامي. وحينها فقط يتضح أن “القومة” عند الإمام ياسين رحمه الله ليست هي “الثورة”، وأن “المرشد” ليس “الفقيه الولي”، وأن “العدل والإحسان” ليست مشروع “ولاية الفقيه”، بل هي مشروع دعوة ودولة، تكون فيه إقامة الدولة خادمة لإقامة الدين والسعي إلى الترقي في مدارج الإحسان ممتزجا مع العدل في الحكم والسياسة.
إن الفارق بين ما قاله الإمام ياسين رحمه الله وما قرأه قنفودي، هو الفارق بين من ينصت إلى النص بضمير الباحث المنقب، ومن يتعامل بوعي المجتزء المُبتَسِرِ. وكما يقول عبد الإله بلقزيز: “القراءة الجزئية للنص الديني لا تنتج معرفة، بل تنتج وعيا مؤدلجا به”(4) . هكذا تحوّل “التحليل” إلى “انتقائية”، و”المنهج” إلى “أداة”، و”الاستشهاد” إلى “انتزاع من السياق”، فضاعت الحقيقة بين رغبة الإثبات وغياب البرهان.
4. بين روح الإحسان ومطلب العدل: خصوصية خطاب العدل والإحسان
يخطئ من يقارب جماعة العدل والإحسان بمنظار التشيُّع السياسي، لأنه يتجاهل خصوصية المشروع الذي صاغه الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ضمن ما عرفه بـ “المنهاج النبوي”؛ منهاج يوحد بين التربية والجهاد، بين العدل والإحسان، وبين الإيمان والعمل، في توازن لا يعرفه الفكر الشيعي القائم على العصمة والولاية، ولا الفكر الحركي المجرد من البعد الروحي.
لقد انبثق هذا المنهاج من رحم التجربة الإنسانية وباستحضار سياقات تاريخ الأمة وانكساراتها، لكنه تجاوزها إلى تربية مجتمعية شاملة تخرج الذكر من الزاوية إلى الشارع، وتجعل الإحسان محورا للإصلاح الفردي والجماعي، فالإمام ياسين رحمه الله لم يقطع مع التجربة الروحية، بل أعاد صياغة معناها في أفق حضاري، حين جعل الصحبة والجماعة والعدل والإحسان قواعد منهاجية لتربية الإنسان ومخالطة الناس والتأثير العميق في المجتمع، ومن هنا فـ “الإحسان” ليس زينة روحية، بل مقام في الدين ومرتبة في السلوك إلى الله من ثماره الإتقان والإجادة والبر والتراحم الإحساني وبناء مجتمع العمران الأخوي.
في هذا الأفق، تصبح مفاهيم مثل “القومة” و”الزحف” في فكر الإمام ياسين رحمه الله رموزا للنهوض الأخلاقي قبل السياسي، وللتجديد التربوي قبل التمكين، فـ”القومة” ليست ثورة على السلطان، بل قيام إلى الله لإحياء العدل بين الناس، و”الزحف” ليس انقضاضا على الحكم، بل سير جماعي منضبط على منهاج النبوة، إنها لغة رمزية تترجم ما دعا إليه الإمام عبد السلام ياسين رحمه من تجديد الإيمان في النفوس قبل إصلاح المؤسسات.
أما العلاقة التي تربط المرشد بأعضاء الجماعة، فليست علاقة شيخ ومريد كما يزعم المقال، بل علاقة صحبة ومحبة وتشرُب وقدوة ماثلة، تؤطرها الشورى والنصيحة والمسؤولية الجماعية.
فالجماعة، في وعي مؤسسها، ليست طائفة ولا زاوية، بل مدرسة لتجديد التوبة والنصيحة ومحضن للتعبئة المجتمعية والتراحم الإنساني، تستقي من النبوة روحها ومن الواقع موضوعها ومن الإنسان غايتها.
خاتمة:
عموما، نعتقد أن مقال “التشيّع السياسي في المغرب: جماعة العدل والإحسان أنموذجا” بالقدر الذي حرص فيه صاحبه على تحقيق اجتراح مفاهيمي وتجديد في الطرح والتناول لقضية شائكة متشابكة، وهي جرأة مطلوبة في البحث العلمي، شريطة التحوط الشديد من آفات الانزلاق المنهجي والتحرز في الاقتباس المضموني وملازمة الحياد الأكسيولوجي سيما في القضايا المتشابكة والشائكة.
لقد عالج الكاتب مفهوم “التشيّع السياسي” من خارج سياقه المعرفي، مُغفلا تعقيداته التاريخية وتداخله بين العقيدة والسياسة والذاكرة، ثم أسقطه على تجربة مغربية مخصوصة، ذات جذور سنية وصوفية وإصلاحية، في غير بيئته ولا حقله الدلالي.
كما انحرفت قراءته لعلاقة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله بالثورة الإيرانية نحو الانتقائية والتجزيئية، فأغفلت تصريحاتِه الصريحة الرافضة للتشيّع العقدي، والمؤكدة لانتمائه إلى مدرسة أهل السنة والجماعة، ودعوته المتكررة إلى وحدة الأمة لا إلى إعادة إنتاج الانقسام التاريخي بين السيف والمحراب.
إن اختزال علاقة الإمام بأعضاء الجماعة في علاقة “شيخ ومريد” مجرد إعادة تدوير لصورة نمطية جاهزة، تغفل البنية المؤسساتية الشورية للجماعة، وتحول الصحبة في المنهاج إلى تبعية شخصية، بينما هي في حقيقتها رابطة تربية وجهاد وتكامل إنساني.
لقد أغفل المقال أن مشروع العدل والإحسان مشروع متكامل في فكر الإمام ياسين رحمه الله، يقوم على جدلية العدل والإحسان، أي على المزاوجة بين إصلاح العمران وإصلاح الوجدان، بين إقامة الحق في الأرض وبلوغ الكمال في النفس. فالإحسان عنده ليس تجربة وجدانية معزولة، ولا العدل شعارا سياسيا آنيا، بل كلاهما جناحان لطائر واحد، لا يطير المجتمع بدونهما نحو مقاصد العمران النبوي.
ويكفي في ذلك أن نستحضر وصية الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله الأخيرة التي تمثل خلاصة تجربته الفكرية والروحية، إذ قال:
“أوصي أن العدل قرين الإحسان في كتاب ربنا وفي اسم جماعتنا، فلا يُلهنا الجهاد المتواصل لإقامة دولة العدل في أمتنا عن الجهاد الحثيث لبلوغ مراتب الإحسان. الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، ولا مدخل لك في هذا يا أخي ولا مدخل لك يا أختي في هذا المضمار إلا بصحبة تفتح أمامكَ وأمامكِ المغالق وتحدو بركبك إلى عالم النور والرقائق”.
بهذه الكلمات، يضع الإمام رحمه الله حدا فاصلا بين مشروع يربي الإنسان ليقيم العدل، وبين قراءة متعسفة تفصله عن روحه الإحسانية. فالفكر الإحساني ليس تشيُّعا سياسيا ولا تنظيما سلطويا، بل منهاجٌ نبويٌّ لبناء الإنسان الحر والمجتمع العادل، تتصالح فيه الروح مع العقل، والإيمان مع الفعل، والسياسة مع الأخلاق.
ـ باحث في سوسيولوجيا التدين الشعبي
ـــ ــــ ــــ
1 ـ سلسلة حوارات مع الإمام، حوار شامل مع الأستاذ المرشد رحمه الله، ج 4/4، الموقع الرسمي للأمام عبد السلام ياسين، https://ar.yassine.net تاريخ الإطلاع 20 أكتوبر 2025.
2 ـ عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ، مطبعة دار لبنان، الطبعة الرابعة، 2018، ص 28.
3 ـ حوارات مع الإمام عبد السلام ياسين، جمع وإعداد أحمد الفراك، موسوعة سراج، 2023، ص 76.
4 ـ عبد الإله بلقزيز، الدين والسياسة: جدل الحقلين، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010، ص 58.
