cron lakome2 - لكم :موقع إخباري مستقل cron
  1. البرلمانية ماء العينين: بنكيران ليس حائطا قصيرا واحتجاج أساتذة الغد تم استغلاله والركوب عليه
  2. تعالوا نخفي سوط الله وسيفه
  3. بالصوتI خطيب جمعة بسلا: المحذرات وراء زلزال الريف.. والجفاف عقوبة إلهية
  4. "راجعين"
  5. الحكومة تهدد الأساتذة المتدربين بالإعلان قريبا عن "سنة بيضاء"
  6. بالفيديو.. بنكيران: إضراب 24 فبراير ليس إعلان حرب وسأستمر في إصلاح التقاعد مهما كانت الظروف
  7. الكونفدرالية الديمقراطية للشغل: الإضراب العام حقق نسبة مشاركة فاقت 85 في المائة إلى حدود الظهيرة
  8. كريم التازي لـ"فاينانشل تايمز": مصالح قوية في النظام ستحاربك اذا كنت ترغب في محاربة الفساد
الرئيسية | رأي | في تبيئة العلمانية

في تبيئة العلمانية

آخر تحديث: 05 مارس, 2018 01:42:00

يتداول مفهوم الإسلاموفوبيا على نطاق واسع في العالم الإسلامي، وذلك في إشارة إلى الحساسية المفرطة التي تميز مواقف المجتمعات الغربية وخوفها من الإسلام. لكن الحساسية ذاتها تحضر عندما يتعلق الأمر بالنقاش حول العلمانية في مجتمعاتنا. لذلك وفي مقابل الإسلاموفوبيا يمكننا أن نتحدث أيضا عن العلمانوفوبيا. 

في الحالتين معا تبدو العلاقة بين المفهومين ( الإسلام والعلمانية ) متشنجة وتصارعية. وفي الحالتين معا يحضر واقع الممارسة كمرجعية تتحكم في المواقف المتضاربة وتوجهها. بالنسبة للغرب يشكل الإسلام خطرا محدقا يهدد الثوابت والإختيارات العلمانية التي تنتظم في قوانين الدولة المدنية. والخوف من الإسلام لا يعني المرجعية الدينية نفسها بقدر ما يتعلق بسلوك المسلمين على أرض الواقع. وهذا ما يبرر تنامي الموجة التي يصنفها الكثيرون في خانة " العداء للإسلام" بشكل لافت بعد أحداث 11 شتنبر الشهيرة. لكن هذا التوجه الذي يفرض نفسه كممثل شرعي للمسلمين وناطق باسمهم، يجد خلفيته المعرفية في الخطاب الديني كما يتجلى في النصوص التشريعية الواردة في القرآن والحديث. ومن تم فإن كثيرا من السلوكات التي تصدر عن بعض المسلمين وتمثل قناعات إيمانية لدى هؤلاء، هي تجليات عملية لقراءة محددة للخطاب الديني الذي يتضمن كثيرا من الأحكام الشرعية التي تستثمر في تكريس ثقافة التكفير والإرهاب، وتضفي المشروعية عليها. لذلك يصبح موقف الغرب من المسلمين بمثابة رفض للإسلام نفسه.

 وهذا يعني أن الذين اختاروا لغة العنف والقتل والكراهية أسلوبا للتواصل مع الآخر، قد نجحوا في رسم صورة نمطية عن إسلام عدائي واستئصالي ومنغلق بات يسبب قلقا كبيرا في الغرب إلى درجة تؤهله لأن يكون فوبيا حقيقية... غير أن الوجه الآخر لصورة العلاقة بين الغرب والإسلام يتمثل في الرفض القاطع الذي تستقبل به العلمانية في بلاد المسلمين. و لهذا الموقف أيضا ما يبرره في إطار أسئلة يتداخل فيها جهاز مفاهيمي يتراوح بين الهوية والإنتماء والتغريب والصراع الحضاري.... ومرة أخرى ينطلق الرافضون للعلمانية من الحضور الفعلي لهذا النموذج السياسي على أرض الواقع. حينئذ تبدو العلمانية كمرادف لللادينية. وهو وضع كفيل بأن تلقى ما تلقاه من تكفير وشيطنة في بيئة يعتبر فيها الدين عنصرا لا غنى عنه في تشكيل ملامح العلاقات الإجتماعية والتحكم فيها. لذلك فإن ذات التخوف الذي يبديه الغرب من الإسلام يحضر عند المسلمين بصدد العلمانية. وهنا أيضا يتحول التخوف إلى فوبيا مقابلة.

الأمر إذن يتعلق بثقافتين مختلفتين تنظر كل واحدة منهما إلى الأخرى بعين الشك والريبة. وهذا أمر طبيعي مادام هذا المشترك النفسي بين النظرتين، ( والذي بموجبه اجتمعت العلمانية مع الإسلام على سرير علم النفس المرضي هنا وهناك)، لا يتعلق بحرب من أجل فرض نموذج على الآخر فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى صراع بين ثقافتين بمرجعيتين متضاربتين. إنه بلغة الفلسفة : صراع بين الناسوت واللاهوت. فالإنسان في المرجعية العلمانية هو مصدر القوانين لأنه هو المعني بها. لذلك تستند الدولة المدنية في الغرب إلى القوانين الوضعية التي تضع الإنسان في محور اهتماماتها بغض النظر عن الجانب الديني وحضوره في الحياة اليومية عند هذا الإنسان. إنها تتعامل مع الفرد باعتباره مواطنا وليس مؤمنا أو كافرا. ومن هنا فالعلمانية ليست معادية للدين كما يراد لها أن تظهر. لكنها تجعل الدين شأنا خاصا بكل فرد من أفراد المجتمع، دون أن يكون له تأثير على توجيه العلاقات الإجتماعية، وذلك من خلال الفصل بين الدولة والدين، تبعا لقاعدة " ما لله لله، وما لقيصر لقيصر".

 أما في المرجعية الإسلامية فالله هو مصدر التشريعات. ومن تم فالإنسان مكلف بالخضوع لاختيارات إلاهية محددة توجه مسار العلاقات الإجتماعية، وتوازي فيها بين الدنيوي والأخروي. هي مرجعية تحيل الله في الواقع من خلال قوانين تنظم شؤون الأفراد والجماعات بحمولة أخلاقية مكثفة تستدعي الآخرة كغاية. لذلك تتخذ من خطاب الترغيب والترهيب وسيلة للإقناع والإخضاع. أما تصريفها عمليا فيخلق إشكاليات تصيب الحرية الإنسانية في الصميم، وتضرب مبدأ " لا إكراه في الدين " عرض الحائط. وهذا يعني أن تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية كقوانين للدولة وفق النموذج الطالباني ( الدولة الدينية ) يجعل المجتمع المسلم بمثابة "غيتوهات " للإنغلاق والنمطية والإستبداد.

سؤال العلمانية في العالم الإسلامي، كان ومايزال إذن يطرح بارتباط مع الموقف من دور الدين وحضوره في المجتمع، لذلك انقسمت الآراء بشأن الموضوع إلى تصورين متناقضين، أولهما يعتبر أن الحل يكمن في تبني خيار العلمانية، بينما يرفع الثاني شعار "الإسلام هو الحل" رغم تضارب مواقف أنصار هذا الطرح وضبابية وعيهم السياسي، وبكل ما يحمل هذا الشعار من دلالات الحنين إلى الماضي ( دولة الخلافة) الذي تم تصويره على نطاق واسع بأنه أفضل من الحاضر. والواضح أن أية محاولة للحوار بين المعسكرين هي ضرب من المستحيل، فالتباعد قائم بشكل لا يقبل اللقاء. وهو ما يكرس علاقة عدائية بين الطرفين تنبني على الاتهام والاتهام المضاد، وتتخذ من مفاهيم متقابلة:( التغريب والاستلاب والزندقة والمؤامرة والعمالة / التخلف والرجعية والانغلاق والتشدد والماضوية ) وقودا لحرب مستعرة منذ التأسيس لسؤال : لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟. وهي حرب مازالت مستمرة بنفس الأدوات وبذات التنافر والتباعد.
سجال " العلمانية والدين " في العالم الاسلامي يتم في غياب أي تمييز بين " الايديولوجيا " و"الميتودولوجيا ". لذلك يظهر الأمر وكأنه صراع بين شرعية وضعية وشرعية سماوية. ولأن المشكلة مفاهيمية بامتياز فيجب التمييز بين الدين باعتباره عقيدة والممارسة الدينية في حضورها الواقعي، حتى يكون لحضور الايديولوجيا في هذا المقام ما يبرره. فالدين ( الاسلام ) هو مجموع العقائد والتشريعات والمعاملات التي تنظم حياة الناس وعلاقتهم بربهم، وجاءت بشأنها أحكام في النص القرآني والحديث النبوي... أما الممارسة الدينية فهي الترجمة الواقعية للدين، وهي ترجمة تستند الى فهم معين أريد له أن يكون قانونا لا يعلى عليه. لكنه في الواقع مجرد اجتهاد تأويلي للنص الذي يمكن فهمه على أوجه متعددة في كثير من المواضيع. لذلك فالذي يرفض العلمانية لا يفعل ذلك من خلال الدين نفسه بل عبر تأويل خاص لهذا الدين أولا، وبسبب واقع التدين في الغرب في ظل العلمانية ثانيا. وهو ما يجعل ايديولوجيا الخطاب الديني السائد في مواجهة مباشرة مع ايديولوجيا الطرح العلماني الذي يريد تكرار تجربة الغرب بحذافيرها في المجتمع الاسلامي.

 ومن أجل تجاوز هذا التنافر الايديولوجي لا مناص من اعادة النظر في ما ترسخ في الوجدان الجماعي عن مفهوم العلمانية وعلاقتها بالدين. ذلك أن الخيار الاستراتيجي للعلمانية المتجلي في فصل السياسة عن الدين، والذي يتخذ منه الخطاب الديني نقطة الضعف التي يوجه اليها سهام التكفير والرفض، لا يعني بأي حال من الأحوال فصل الدين عن المجتمع، وقد برهنت التجربة أن إمكانية فصل السلطة السياسية عن الدين واردة، وقد نجح هذا الخيار فعلا في الغرب. أما فصل الدين عن المجتمع فهو وهم وليس حقيقة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بثقافة يشكل النسيج الديني جزءا أساسيا من تكوينها النفسي والذهني. لذلك فإن حضور الدين في العالم الاسلامي لا يمكن مقارنته بما حدث للخطاب الكنسي في أوربا. وهنا بالضبط تحين لحظة استبدال الإيديولوجيا بالميتودولوجيا. فالعلمانية هي موقف من الإنسان ومن القيم الإجتماعية والأخلاقية ومن الدين أيضا. والعلمنة بهذا المعنى هي أسلوب حياة يقوم على استقلالية الإنسان العقلية والأخلاقية، ويتأسس على العقلانية، ويتخذ من الإنسان مركزا للإهتمام...
وبذلك سيواجه الخطاب الديني فكرة العلمانية في الثقافة الإسلامية لا من بوابة موقفها من الدين كما يتبادر الى الأذهان، بل من منطلق مواجهة بين تأويلين. الأول يتأسس على تحكيم النص، وهو تحكيم يستند الى فهم خاص يلغي العقل، والثاني يتوخى الوصول الى فهم موضوعي لللظواهر والقوانين والمبادئ لا تتقيد بقراءة واحدة تفرض نفسها كتأويل مطلق، ولكن هذا لا يعني إلغاء النصوص واستبعادها تماما، لأن هذا الفهم هو محاولة لتكييف الحكم الديني مع متغيرات الواقع وإكراهاته، وهذا المطلب ينسجم تماما مع مبدأ " أنتم أدرى بأمور دنياكم ". وهذا يعني أيضا أن إمكانية تبيئة العلمانية في بلاد المسلمين واردة، لأنها لا تعادي الدين، ولا تلغيه اجتماعيا، لكنها تسعى إلى تحييده سياسيا حتى لا يصبح وسيلة للقهر والإستعباد والإستبداد. وهي في أوربا رفضت التفسير الكنسي الذي يقدم نفسه كمالك وحيد ومطلق للحقيقة باسم الله. فالعلمانية إذن تناهض مصادرة العقل وترفض الحديث عن امتلاك حقيقة مطلقة، وهي بذلك تؤسس لثقافة الاختلاف والتعدد، وترفض الوصاية والمصادرة. وفي ظل هذه الثقافة ازدهرت الأديان، ومارس الناس معتقداتهم بكل حرية وبدون مضايقات، لأن تلك الإستقلالية الأخلاقية والعقلية التي تميز الإنسان في ظل العلمانية لا يمكن أن تتناقض مع حريته في الإختيار والتفكير. وعندما يدرك المسلمون أن الدين ينبغي أن يكون شأنا مستقلا عن الممارسة السياسية وقواعدها وقوانينها، وعندما يدركون أن مدنية الدولة هي السبيل الأنجع لحماية الدين نفسه من الإستغلال والتوظيف السياسي في صناعة الولاءات وقمع الحريات، حينها إذن يمكن الحديث عن تبيئة العلمانية ووضع اللبنة الأولى في البناء الديموقراطي والنظر إلى المستقبل بدل الحنين إلى مجد وهمي يجرنا إلى الماضي.

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

التعليقات ( الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع )

المجموع: | عرض: