cron lakome2 - لكم :موقع إخباري مستقل cron
  1. البرلمانية ماء العينين: بنكيران ليس حائطا قصيرا واحتجاج أساتذة الغد تم استغلاله والركوب عليه
  2. تعالوا نخفي سوط الله وسيفه
  3. بالصوتI خطيب جمعة بسلا: المحذرات وراء زلزال الريف.. والجفاف عقوبة إلهية
  4. "راجعين"
  5. الحكومة تهدد الأساتذة المتدربين بالإعلان قريبا عن "سنة بيضاء"
  6. بالفيديو.. بنكيران: إضراب 24 فبراير ليس إعلان حرب وسأستمر في إصلاح التقاعد مهما كانت الظروف
  7. الكونفدرالية الديمقراطية للشغل: الإضراب العام حقق نسبة مشاركة فاقت 85 في المائة إلى حدود الظهيرة
  8. كريم التازي لـ"فاينانشل تايمز": مصالح قوية في النظام ستحاربك اذا كنت ترغب في محاربة الفساد
الرئيسية | رأي | المذكرة 768/ 14، ألم يحن وقت الاعتذار عنها

المذكرة 768/ 14، ألم يحن وقت الاعتذار عنها

آخر تحديث: 07 نوفمبر, 2017 11:10:00

منذ ثلاث سنوات أقدمت وزارة التربية الوطنية على إصدار مذكرة تنظيمية مشؤومة، هي المذكرة 768/  14، يبدو أن فتح النقاش العمومي حولها أصبح أكثر من ملح.

موضوع هذه المذكرة هو إعادة ترتيب العقوبات التي تقترحها المجالس التأديبية داخل المؤسسات التعليمية، في حق التلاميذ الذين تعرض حالاتهم عليها.

والواقع أن القراءة المتأنية لهذه المذكرة، تجعل المرء يطرح جملة تساؤلات حول مدى مسؤولية و جدية من قام بصياغتها، بل و أهليته. فإذا كان الهدف هو تصحيح مسار معين، فلا بد أن يكون البديل أكثر قدرة على تنظيم العلاقات داخل المدرسة  وفق ضوابط تتيح لها أجواء أفضل للاشتغال و للقيام بأدوارها المنوطة بها. أما عندما يكون المنتوج خالقا لارتجاج فج تنهار فيه التوازنات، و ينتج عنه إباحةٌ وهدرٌ مجاني لكرامة مكون أساسي في العملية التعليمية، أفلا يحق لنا التساؤل عن مدى السلامة العقلية و النفسية لمن كان وراء هذا النص التنظيمي؟ نبني تساؤلاتنا على الملاحظات التالية:

1 ـ تنطلق المذكرة من قراءة «إحصائية» لنوعية العقوبات التي تتخذ في المجالس التأديبية، و تلاحظ أن« التوقيف عن الدراسة هي العقوبة الأكثر شيوعا و استعمالا». و هو ما ستبني عليه ملاحظاتها اللاحقة. و نحب أن نلفت الانتباه إلى أن هذا الحكم، عدا أنه غير مسنود بأي إشارة مرجعية لدراسة ما قد تعطيه مصداقيته، فهو يعفي نفسه من مساءلة المعطى، و قراءته موضوعيا في السياقات التي أنتجته، مثلا نوع المخالفات المرتكبة، و حجم الأضرار المترتبة . . . ويكتفي بإدانة غير مبررة أو معللة.

2 ـ تنطلق المذكرة بعد ذلك إلى مناقشة نتائج هذه العقوبة على التلميذ، و منها الحرمان « من مجموعة من الحصص الدراسية التي يصعب عليه استدراكها » أو تعميق الهوة بينه و بين المدرسة، أو جعله عرضة للتأثيرات السلبية للمحيط الخارجي للمدرسة. و هي المناقشة التي ستؤسس عليها لاحقا « قطيعة » مع طرق العقاب السابقة.

هنا نشير إلى أن المذكرة ، في نقدها للحرمان، تخرق مبدأ كونيا للعقاب القانوني، وهو مبدأ الحرمان نفسه الذي يظل مبدأ ثابتا في مفهوم العقوبة، يُختلف فقط في درجته و نوعيته حسب طبيعة الفعل المرتكب، مراعاة لمبدأ التناسب؛ وفي جانب آخر تقدم، بقصد أو بغير قصد، صورة مغلوطة عن طرق تدبير العقوبات في المجالس التأديبية، و تعفي، بشكل غير مفهوم، الأسر من تحمل مسؤولية و تبعات ممارسات بناتها و أبنائها. فلا يعقد أي مجلس تأديبي، في واقع الحال، إلا بعد استدعاء ولي أمر التلميذ، و يُخبر هذا الوليُّ بنتائج الاجتماع و بقرارات المجلس، حتى يتعاون مع المدرسة في تأطير العقوبة. أي أن المجالس تتصرف بكامل المسؤولية، و تنسق مع الأسر فيما يتعلق بقراراتها. و على الأسر، بعد ذلك، أن تتحمل مسؤولية ما يفعله أبناؤها. بينما منطوق المذكرة يوحي بأن المدرسة ترسل التلميذ إلى الشارع، لتلقي به إلى أحضان الانحراف.

3 ــ بناء على المعطيات السابقة المرتبكة، تقرر المذكرة « اعتماد عقوبات بديلة»، تتمثل في «تقديم خدمات ذات نفع عام» داخل المؤسسة التعليمية، « على أن يتم إخضاع [ التلميذ] لها خارج أوقات دراسته»، كما أنها « يجب أن تحفظ كرامة و اعتبار التلميذ المعني، و ألا تعرضه لأي تجريح، أو تحقير».

إن هذا البناء المطلق للغة المذكرة في الشق المتصل بتحديد العقوبة يجعلها خارقة لمبدأ قانوني كوني آخر، هو تناسب العقاب مع الجرم، فالعدالة تقوم جوهريا على تصنيف أنواع الأخطاء القانونية المحتملة، و تقسيمها إلى أنواع و درجات؛ ثم تقوم بابتداع أشكال عقابية متدرجة وغير موحدة، لترتب لكل نوع من الأخطاء القانونية الجزاءات المناسبة. أما عندما يتم الاقتصار على عقوبة فريدة، مع احتمال تنوع الخطأ القانوني، فلا يمكن أن يصدر مثل هذا الاجتهاد إلا عن عقل جاهل و متبلد.

و حتى نكون أكثر وضوحا سنبتعد عن الأخطاء التي تتم بين الزوج: أستاذ\ تلميذ، و نركز على الزوج: تلميذ\ تلميذ، و لنفترض ـ و في الواقع إن الأمر يتعدى الافتراض إلى التمثيل بالحالات الحقيقية ـ أن تلميذا اعتدى على قرينه بالإهانة العلنية، أو بالضرب، أو، في حالة الاختلاف الجنسي، بالتحرش، و أن مستوى العنف قد بلغ درجة ألحقت أضرارا جسدية، أو نفسية جسيمة بالتلميذ المعتدى عليه، فكيف نفكر في كرامة التلميذ المعتدي و نسكت عن كرامة التلميذ المعتدى عليه؟ كيف يمكن لهذه الوصفة التي تركز على الحفاظ على كرامة المخطئ أن تنصف الضحية، و تصون كرامته؟

يضاف، إلى هذه الهِـنات و الزلات، عيب آخر، يمس واقعية هذه العقوبات من حيث ممكناتُ تطبيقها. فخلا تنظيف ساحة و مرافق المؤسسة، كثير من المؤسسات التعليمية في المغرب هي بدون مكتبات أو مطاعم أو بساتين أو مرافق صحية، مما يتعذر معه تنويع العقوبات. كما أن شرط إنجاز العقوبات خارج الحصة الدراسية للمعني بالأمر يستوجب تحديد المسؤول عن تتبع العقوبة. فهل ستعين الوزارة الوصية أشخاصا مكلفين بهذه العملية؟ أم أن بعض الأساتذة، أو بعض الإداريين هم من سيقتطعون من وقتهم المُوَجه للخدمة  الجماعية للتلاميذ وقتا، يُجهل وضعه التنظيمي، لتتبع تلميذ واحد معني بالعقوبة؟ يملك هذا السؤال كل شرعيته أمام الخصاص المهول الذي تعاني منه الموارد البشرية في القطاع، مما يجعل توفير المسؤول عن تنفيذ الإجراء « العقابي» يصبح في ذاته تحديا حقيقيا.

كل هذه الملاحظات، و ربما يظهر غيرها، تجعل المذكرة معيبة قانونيا، من حيث إمكانية تطبيقها، و من حيث فشلها في توفير التناسب اللازم بين الخطأ و العقاب، و من ثم فهي بعيدة عن توفير النصفة اللازمة للإحساس بالأمان، ولخلق فضاء يُمَدِّن التلميذ و يربيه على احترام التوازن القائم بين الحقوق والواجبات، و يعده ليصبح مواطنا صالحا، يحترم المؤسسات، و يساهم في بنائها، و يتحمل مسؤولية أفعاله إيجابا و سلبا. و الأخطر من هذا أنها عندما لا توفر العدالة داخل جدران المؤسسة، و لا تحقق « القصاص» بصيغ تربوية منصفة، تشرع الباب لخروج مشاكل المدرسة خارج أسوارها. و هو ما يجعل العقوبة تنتقل من الأدنى إلى الأعلى: فأقصى ما يمكن أن يواجهه التلميذ في المدرسة، وفي الحالات المبررة، هو أن يجد نفسه في مؤسسة أخرى، أو خارج أسوار المؤسسات العمومية. مما يبقي له، من جانب، و لأسرته الباب مفتوحا في المدارس الخاصة، و من جانب آخر، تقدم الصدمة وضعا يرغم المعني بالأمر و أسرته على ضرورة إعادة التفكير في سلوكاتهم و اختياراتهم و تحمل تبعاتها. أما عندما يخرج العقاب من أسوار المؤسسة فإنه يصبح مفتوحا على مسارات معقدة، و انعكاساتها أخطر بالنسبة للتلميذ؛ لأن أدنى ما يواجهه التلميذ ، في هذه الحالة، هو التعرض لتجربة الاعتقال و المبيت في مخافر الشرطة، أما الأقصى فلا أحب حتى التفكير فيه.

مناسبة هذا النقاش هو تواصل و استفحال الاعتداءات التي تطال العاملين بقطاع التربية الوطنية، و أحدثها، حتى لا أقول آخرها، ما حدث لأستاذ ورزازات. و حتى لا نحرف النقاش، و نبقيه في حدود المطالبة بمعاقبة التلميذ، و هو أمر بطبيعة الحال لا يمكننا إلا أن نناصره ـ نعتقد أن النقاش الحقيقي ينبغي أن يذهب إلى ما هو أبعد من الأحداث المتفرقة التي ينفجر قليل منها عندما تلتقطه عين متلصصة، و يبقى أكثره طي الصمت، حتى تفجره أرقام الهروب الجماعي من القطاع، و الذي تكشفه كل سنة أرقام الراغبين في الهروب من مهنة المتاعب و المذلة عن طريق التقاعد النسبي.

إن المدان ليس هو هذا التلميذ أو ذاك، ولا هذا المدرس أو ذاك، فالجميع في نهاية المطاف مجرد ضحايا لسياسات تعليمية توالت دون رؤية وطنية حقيقية، تغلب فيها المصالح الحزبية الضيقة أحيانا، والهواجس الأمنية للنظام و المقاربات الحساباتية الضيقة أحيانا أخرى، عندما تقدم المدرسة بأنها قطاع غير منتج. و الحال أن تاريخنا المعاصر يؤكد بالملموس أن البلدان التي راهنت على التعليم استطاعت أن تحقق نهضتها، و في حالات معينة، في زمن قياسي.

نعم هناك مشاكل بالجملة في المدرسة المغربية، و هناك كثير من الأخطاء التي ترتكب داخلها، و لكن العلاج لا يأتي من تحميل رجل التعليم وحده مسؤولية ما يحدث. و حتى لا نشتت النقاش المتشعب أصلا، نبقى في حدود تنظيم العلاقات داخل المؤسسات التربوية، فمن حق الوزارة، بل هذا واجبها، أن تفكر في التجديد، و أن تبحث عن بدائل، لكنها ينبغي أن تكون بدائل تتسم بالواقعية، و تبررها رغبة في الارتقاء، لا حقد غير مبرر على نساء و رجال التعليم.

بإمكاننا بدل التفكير في العقوبات البديلة، التفكير في تقليص الحاجة إلى العقاب (العلاج الوقائي). و لكن في هذه الحالة على الوزارة أن تضع يديها في جيوبها، و ترشد نفقاتها، و تقلص من الإنفاق المركزي، و تعمل على التأهيل الفعلي للمؤسسات التعليمية، لا مجرد صباغتها، و ذلك عن طريق توفير البنيات التحتية اللازمة، من فضاءات (مكتبة المدرسة، قاعات العروض الثقافية و المسرحية، قاعات وسائطية . . .) وأدوات و وسائل التنشيط ( آلات موسيقية،  أدوات الرسم، أجهزة العرض، أجهزة تنظيم الصوت . . .) مع ـ و هذا هو الأهم ـ إعادة النظر في تعامل الوزارة مع التنشيط الموازي في المدارس العمومية، و الذي لا تبذل فيه أي مجهود، و تتركه مرهونا للمجهود الذاتي للمدرسين وللتطوع. و لن يكون ذلك إلا بإدماج التنشيط الموازي (الأنشطة الثقافية و الفنية و الرياضية) كجزء من بنية المدرسة الجديدة، مع التفكير الجدي في توفير الموارد البشرية اللازمة لإنجاح الرهان، سواء عبر إضافة مكونات بشرية جديدة، تستجيب بتكوينها التخصصي لبعض التحديات الراهنة للمدرسة، من قبيل المساعدين النفسيين و الاجتماعيين، أو عبر استغلال الموارد البشرية التقليدية، من خلال إدماج التنشيط التربوي ضمن ساعات العمل الرسمية، أو، على الأقل، بإحداث تحفيزات  مادية و معنوية للمنشطين التربويين، فلا يعقل أن يبقى أحد الأوراش الكبرى القادرة على خلق التوازن داخل المدرسة، و امتصاص العنف، و محاربة التطرف في كل تمثلاته الثقافية و القيمية و الدينية، و إعادة البهجة و روح الإبداع إلى مدارسنا مرهونا للصدفة و لكرم بعض المدرسين هنا و هناك، و الذين، غالبا، لا يجدون حتى التقدير و الاعتراف الرمزيين، في الوقت الذي ترزأ فيه ميزانية الوزارة تحت أعباء التعويضات الخيالية، و غير المبررة، لعدد من المسؤولين المركزيين.

  الجديدة في 6 نونبر 2017

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

التعليقات ( الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع )

المجموع: | عرض: