cron lakome2 - لكم :موقع إخباري مستقل cron
  1. البرلمانية ماء العينين: بنكيران ليس حائطا قصيرا واحتجاج أساتذة الغد تم استغلاله والركوب عليه
  2. تعالوا نخفي سوط الله وسيفه
  3. بالصوتI خطيب جمعة بسلا: المحذرات وراء زلزال الريف.. والجفاف عقوبة إلهية
  4. "راجعين"
  5. الحكومة تهدد الأساتذة المتدربين بالإعلان قريبا عن "سنة بيضاء"
  6. بالفيديو.. بنكيران: إضراب 24 فبراير ليس إعلان حرب وسأستمر في إصلاح التقاعد مهما كانت الظروف
  7. الكونفدرالية الديمقراطية للشغل: الإضراب العام حقق نسبة مشاركة فاقت 85 في المائة إلى حدود الظهيرة
  8. كريم التازي لـ"فاينانشل تايمز": مصالح قوية في النظام ستحاربك اذا كنت ترغب في محاربة الفساد
الرئيسية | رأي | عقل العلم وعقل الدين

عقل العلم وعقل الدين

آخر تحديث: 12 ماي, 2017 11:03:00

من السلبيات التي كرستها المنظومة التعليمية العالمية هو تفريقها بين العلم وفلسفته، بحيث أصبحت الجامعات العالمية مذ أمد بعيد تخرج أفواجا من الطلبة المتخصصين البارعين في الاشتغال بآليات العلم وعن نتائجه، لكن هناك قلة قليلة جدا من تستطيع أن تدرك حدود العلم وحدود اشتغاله طبقا لما يتحدد ضمن فلسفة العلم .

والحقيق أن ما كرس هذا الفعل ليس فقط العوامل التاريخية التي اقتضت ذلك بحتمية انفصال العلم عن الفلسفة انتهاء إلى بداية القرن العشرين، ولكن آليات اشتغال الدولة الحديثة هي من كرست الحاجة إلى هذا الفعل تحث مبدأ السيطرة. فنخلص في النهاية إلى عقل علمي تقني لا يمتلك تلق الآليات النقدية والجدلية والتي كانت تصاحب عادة طالب العلوم المتفلسف. إنه عقل مفتوح على أي احتمال، خدوم ومطيع لمن يستطيع أن يشغل فيه الجانب القيمي والنقدي إلى درجة التحكم وربما إلى خدمة أهداف لا يعترف بها العلم أصلا .

ليس هذا موضوعنا كما يظهر من العنوان أعلاه، ولكن هي توطئة قد تفيد في فهم بعض من الأسباب التي أحدثت العودة إلى الخلط عندنا وعودة الجدل بخصوص العقلين، وقد كان الأصل يقتضي تجاوز هذا النقاش من الأصل مادام أنه نقاش محسوم على المستوى النظري والواقعي أيضا.

إن حديثنا عن العقل نسبة إلى العلم أو الدين ليس حديثا عن العقل الأداة المشترك بين الناس جميعهم، ولكن المقصود بالعقل هنا تلك التوافقات والمسلمات المعرفية وغير المعرفية التي تحصل في فترة تاريخية أو داخل جماعة أو رؤية تفسيرية منسجمة مع الواقع والعالم والتي ليست بالضرورة حقيقة. والذي منه نحصل على توافقات لا يختلف بصددها المؤمنون بالقدرات التفسيرية لكل نسق يحسبونه منسجما. ونحن إذ نروم الحديث هنا عن العقل العلمي لا تكون حاجتنا إحصاء السمات بقدر ما تكون حاجتنا جرد الفروق حتى يتبين للقارئ غير المتمرس طريقة اشتغال كل عقل على حدة.

فالأصول التي يقوم عليها الدين عادة أو لنقل هنا الإسلام لأنه هو ما يعنينا، هي في عمومها لا تخضع في الغالب إلى أي من الشروط التي يحددها العلم ضرورة لاشتغاله. فالعلم باعتباره منظومة من القضايا القابلة للتواصل جماعيا والمتماسكة نظريا والقابلة للتطبيق عمليا، تصف وتفسر ظواهر الواقع الموضوعي كما يقول ميشيل ماركوفيتش. فإن الدين على الأقل لا يمتلك أي خاصية من تلك التي ذكرنا من قبل في تعريف ماركوفيتش أو ما يتداول عند كل المشتغلين بالعلم. فالدين بشهادة القرآن نفسه غير قابل للتعميم وليس باستطاعة الناس جميعا أن يكونوا مؤمنين، لكن العلم قادر على فعل ذلك لما يتوفر عليه من قدرة على التفسير والتكرار وإعادة الإنتاج حين يتم احترام القواعد المعممة.

تشكل الميتافيزيقا عصب الدين. فالماورائي حاضر بقوة على الأقل في الأديان السماوية، فلا يمكن تصور الإسلام مثلا خارج الإيمان بالغيب. فالعلم بقواعده وأدواته لا يمكنه بالمطلق تصديق الدين، والذين يحاولون عابثين فعل ذلك يعبرون عن جهل كبير بقواعد العلم

لا يقوم الدين هنا خصيما للعلم ولا دونه كما يظن بعض المتحمسين، ولكن التفريق بين العلم باعتباره مجموعة من المسلمات التي تفرض نفسها على العالم كله وبين الدين كتجارب فردية لا تخص إلا الأفراد أو المجتمعات هو تفريق يفرضه الواقع أولا بحيث لا يكون الجميع خاضعا للتجربة نفسها كما أن اهتمامات الدين ليست هي بالضرورة اهتمامات العلم .

فالدين بهذا المعنى لم ينصب نفسه خصيما للعلم، ولكن حماسة المشتغل بالعلم كقوة تفسيرية جبارة غالبا ما أحدثت هذا التصادم بين مؤسسة الدين ورجل العلم. فحتى الذين يجزمون اليوم بوقوع الخصام ليس لأحد منهم القدرة على إثبات أن نصوص الدين ادعت ذلك مادام أن الدين يمتلك خاصية الانفلات، كما أننا أقررنا في البداية بأن العقل الديني هو مجموعة من المسلمات داخل جماعة من المؤمنين والتي ليست بالضرورة جاءت لتوافق العلم، وأهل الدين ليسوا مجبرين على ترك مذاهبهم فقط لأنها لا تخضع لشروط العلم، مادام العلم أصلا غير مستعد لاحتضانهم ولا أولائك المشتغلون بالعلم رغبة في تحويله إلى وصي يستبدل خاصية الشك والنسبية والخطأ بخاصية اليقين والفئة والوصاية. ففي النهاية ليس كل مشتغل بشروط العلم هو بالضرورة مضطر لأن يفرغ نفسه من جانبه الروحي مادام الإنسان أقرب للدين منه لشروط العلم. لكن المشتغل بالعلم سيجد نفسه مضطرا للخضوع لشروط العلم حين يفكر من داخل العلم. فالخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين، والخطان المتوازيان لا يلتقيان، ولا فائدة من القول بعدها : إنهما سيلتقيان بإذن الله.

تشكل الميتافيزيقا عصب الدين. فالماورائي حاضر بقوة على الأقل في الأديان السماوية، فلا يمكن تصور الإسلام مثلا خارج الإيمان بالغيب. فالعلم بقواعده وأدواته لا يمكنه بالمطلق تصديق الدين، والذين يحاولون عابثين فعل ذلك يعبرون عن جهل كبير بقواعد العلم. فإخضاع الظواهر الميتافيزيقية لقوانين العلم هو بالأساس هدم لقواعد العلم الذي يفترض فيه الاشتغال على الظواهر المادية. فإذا كان لزاما على العلم تحصين نفسه بنسبيته وأخطائه فإن الذين يقحمون الدين في جدلية العلم هم يرومون جعل العالم يسخر من الدين حين تبدو سوءة العلم، في حين لن يجد العلم أدنى حرج في ذلك باعتباره يعرف نفسه كتاريخ من الخطأ، فلن يستحي أبدا من إظهار زيفه أمام المؤمنين به بل إنه سيحتفل بذلك ويعتبره يوما عظيما. بينما سيكون الدين لبطء ديناميته مقتنعا بخطأ العلم لعقود.

إن للدين عقله، أي مجموع مسلماته التي يقر بعضها ويخضع بعضها الآن للجدل والنسبية وهي ما حاولنا قبلا الإشارة لها. وهو ما معناه أن الدين يتحرك وسط قواعده وغاياته التي لن يكون العلم مهيمنا عليها بالضرورة، بل إنه يفترض في الدين من الأساس أن لا يخضع نفسه لقواعد العلم مادام أنه يسوق لنفسه بادعاءات لا يقدر عليها العلم من الأصل.

فالعلم هو طريق واحد نحو الحقيقة وهو ما يطلق عليه عقلا، لكن الاستدلال على الله مثلا الذي يقدمه الدين كقوة أقصى من العلم والقيم هو في الحقيقة تنقيص من الله نفسه مادام العلم بالأساس هو تاريخ من الخطأ سوف يتم تجاوزه وقواعده حتما بل ضرورة.

فإذا كان العلم لا يحدد أهدافه بحيث يجعل من نفسه هدفا، فإن الدين يحدد الغايات ولن يكون العلم إلا وسيلة من وسائله. وإذا كان العلم لن يشتغل إلا بما يمكن معاينته من أجل تعميم أحادي فإن الدين لا يعول على هذا بالضرورة وإنما يترك لكل فرد التحرك وسط آليات الاستدلال التي لن يكون العلم إلا جزء منها. فالعلم وإن كان بهذه القوة فإنه لا يمتلك بالضرورة أهدافه والتي لن تكون بالضرورة علمية وهذا موضوع آخر.

التعليقات ( الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع )

المجموع: | عرض: