cron lakome2 - لكم :موقع إخباري مستقل cron
  1. البرلمانية ماء العينين: بنكيران ليس حائطا قصيرا واحتجاج أساتذة الغد تم استغلاله والركوب عليه
  2. تعالوا نخفي سوط الله وسيفه
  3. بالصوتI خطيب جمعة بسلا: المحذرات وراء زلزال الريف.. والجفاف عقوبة إلهية
  4. "راجعين"
  5. الحكومة تهدد الأساتذة المتدربين بالإعلان قريبا عن "سنة بيضاء"
  6. بالفيديو.. بنكيران: إضراب 24 فبراير ليس إعلان حرب وسأستمر في إصلاح التقاعد مهما كانت الظروف
  7. الكونفدرالية الديمقراطية للشغل: الإضراب العام حقق نسبة مشاركة فاقت 85 في المائة إلى حدود الظهيرة
  8. كريم التازي لـ"فاينانشل تايمز": مصالح قوية في النظام ستحاربك اذا كنت ترغب في محاربة الفساد
الرئيسية | رأي | منبر حر | التربية وأزمات الإنسان في وقتنا الراهن

التربية وأزمات الإنسان في وقتنا الراهن

آخر تحديث: 09 أكتوبر, 2018 09:35:00

يعيش الإنسان في وقتنا الراهن مجموعة من الأزمات التي هي في خلفياتها تراكمات تاريخية لأحداث لازلت الإنسانية تعاني من أثرها و وقعها على مستوى المعاش اليومي و التخطيط المستقبلي و مشروع الحياة الفردية ، و تتجسد هذه الأزمات في أبعاد متعدد يعيش داخلها الفرد الإنساني و ما تتطلبه منه بواعث و دوافع النمو الإنساني السليم، فالتبعية و عدم الاستقلالية و غياب المعنى و الاستلاب و الجحز في خانة الفرد المستهلك الشرس، و كذا تقييد خياراته بل و تأطيرها بشكل مبالغ فيه لدرجة تغيب معها إرادة الفعل و الإبداع و الإنتاج، و يغيب معها صياغة المعنى الوجودي للإنسان المبدع و المفكر و المنتج و المتناغم مع قوانين الطبيعة باعتباره جزءا منها و ليس سيدها عليها، من أبرز مظاهر معاناة الفرد في عصرنا الراهن.

لن يختلف المختصون في مجال دراسة الظاهرة الإنسانية كون أزمة الإنسان في وقتنا الراهن تبدأ مع عملية التربية التي يصعب إدراكها خصوصا عندما يتم حصرها في عملية التعليم و تلقين مجموعة من التقنيات و ميكانزمات للتفكير المعلب و تشكيل للرؤية المنمطة، من دون إشراك المستفيد من العملية التربوية باعتباره شريكا في صيرورة الإنتاج بمختلف مستوياته حاضرا و مستقبلا، في مقابل ذلك يتم تثمين تلك الرؤية التي تجعل منه و الطبيعة معا موارد للإنتاج، من دون الحق في إبداء التساؤل حول ماهية و الأهداف الكبرى من هذه الرؤية، و كما يعلم المهتمون بعلم الاجتماع و بالرجوع إلى مفهوم التنشئة الاجتماعية كما جاء مع دوركايم (التيار المحافظ) الذي يعتبر هذه العملية متجسدة في نقل القيم و المعايير الاجتماعية و التي كانت سائدة آنذاك في المجتمع الصناعي، تلك المعايير التي لم تكن وليدة تفاعلات اجتماعية تلقائية محضة، بل تدخلت في صياغتها ظروف و متغيرات اقتصادية و سياسية تحت طائلة القوة القهرية للظاهرة التي أصبحت اجتماعية حسب دوركايم و لها ثقافتها الاجتماعية التي تستمد منها شرعية وجودها و اندماج أفراد مجتمعها الاجتماعي، كما أصبحت آنذاك المجتمعات مجتمعات وظيفية في خدمة صيرورة الإنتاج و أصبحت العلوم في خدمة تطوير و زيادة مردودية الإنتاج، دون أخد النسق الإنتاجي ككل موضوع للدراسة و طرح إشكالات جذرية للحياة الإنسانية داخل هذا النسق الإنتاجي و التي تتمركز أهدافه حول غايات اقتصادية محضة دون الإلمام بمخلفات و أثر النسق بما ينتجه من أزمات إنسانية و قوانين وضعية للاصطفاء الاجتماعي، و ربط الناشئة منذ ولادتها بحتميات السوق و قوانين العرض و الطلب التي يجب أن يرضخ لها مستقبلا كما يرضخ لها الآباء و المدرسة حاضرا، فعملية التعليم ليست بالتربية، وإنما هي جزء من العملية التربوية، و بالرجوع لمراحل النمو النفسي الاجتماعي للإنسان حسب إريك إريكسون، فالأوضاع التي يتواجد داخلها الأفراد و المرتبطة جذريا بمتغيرات اقتصاد السوق التي تحدد أنماط التربية الأسرية و المدرسية معا، تجعل من الفرد الإنساني حبيس مرحلة معينة من مراحل النمو التي صاغها إريكسون، فنجد أن نماذج أزمات الأفراد السائدة داخل المجتمع تنحصر في الأزمات النفسية الاجتماعية دون الارتقاء في التحرر منها و الانتقال إلى  مرحلة مقبلة حسب ما يمليه البعد الزمني للفرد الإنساني موازاة بنموه الجسدي و النفسي و الاجتماعي ... تتجلى هذه الأزمات في عدم القدرة على بناء علاقة الثقة بالذات و ما ينعكس على عدم القدرة في بناء علاقة الثقة بالآخر، و أزمة الشك و أزمات الخجل و الركود و رفض السلطة و الانعزالية و اليأس لدى السواد الأعظم من المجتمع. هذه الأزمات تقف حاجزا أمام الفرد الإنساني في تحرير ذاته و انطلاقته الفاعلة و الفعل المبني على الإرادة في الفعل و الإنتاج و الإبداع و المساهمة في قيادة الحياة داخلة بيئة ايكولوجية يتناغم مع قوانينها و بيئة اجتماعية تشجع على نمو الإنسان.

إن تغليب كفة ما هو اقتصادي خاضع لقوانين السوق على كفة ما هو إنساني خاضع لقوانين النمو و الازدهار و التنوع الايكولوجي و الإبداع الثقافي و الإنساني، يجعل من الحياة الإنسانية حياة مفرغة من محتواها، فما معنى الفلسفة و الثقافة و الإبداع و العلوم الحقة و العلوم المستقلة في ظل غاية استحواذ و هيمنة محضة تملي بإعادة هيكلة التكوين و العلم ليتنج الآلة لغاية زيادة الصناعة و مراكمة و مضاعفة الأرباح ؟ لأجل من ؟

إن اختصار التربية في عملية تعليم الفرد ليصبح تقني خادم للآلة يضعنا أمام استعباد جديد للإنسان من طرف الآلة، و أمية جديدة متجسدة في أمية ثقافية، أمية معنى الوجود، أمية العيش السليم، و يدخل الإنسان في خانة الصراع مع الذات و صورة الذات و صيرورة تشكل صورة الذات و الأبعد من ذلك غياب الذات الفاعلة.

إن ما ينبغي علينا تصحيحه هو أن الإنسان ليس ذئبا لأخيه الإنسان، و أن الفردانية الناتجة عن ظروف الإنتاج الخاضعة لقوانين السوق، تنتج مجتمعا مليء بالأمراض و الحروب الباردة و العقد النفسية و الركود الاقتصادي و النمطية الاجتماعية و تجرد الفرد من هويته و كيانه و ثقافته، لأن هذه الفردانية نتاج معطيات و متغيرات السوق و المنطق الوظيفي الذي لا يدرك الفرد الإنساني العادي أهدافه الكبرى و غايته، و لا يجد إجابات حقيقية في ظل سفسطات المثقف العضوي الذي يمكننا اعتباره لوبي علمي أو معرفي، مما يضعنا أمام رهان اختيارات كبرى  أولها الاقتصاد المتمركز حول غايات إنسانية ، و اعتباره شريكا في عملية الإنتاج، و ليس بمورد للإنتاج، و اعتبار الطبيعة كل نحن جزء منه و احترام قوانين التنوع الايكولوجي غاية التناغم الإنساني الطبيعي.

يذكر آلان توران في كتابه براديغم جديد لفهم المجتمع، أن المنعتق المتبقي أمام الإنسان هو التحرر من الأوصاف و الوضعيات التي تجعله يتحدث و يعبر من خلالها عن ذاته بأوصاف اجتماعية، و الانتقال إلى التعبير عن الذوات من خلال مرجعية ثقافية داخل مجتمع يعترف بالحقوق الأساسية و التي تكوين الشخصية الفردية شريكا في صياغة تصورها الفردي لهذه الحقوق و منطلق تعاقدها مع المؤسسات، هذه التعاقدات التي من شأنها أن تتيح للفرد الإنساني هامش من الحرية و التحرر من الاضطهاد و إعادة النظر في تعريف التعليم تجديد معناه لتحريره من غايات السوق، لأنه جزء من العملية التربوية و ليس بالتربية في مختلف أبعادها.

 إن هندسة المجتمع  بشكل سالم مرهونة بما تقدمه مختلف مؤسسات التربية قبل التعليم، و بما يمليه الضمير الإنساني قبل ضمير السوق، و بما يتلائم مع إزدهار الإنسان قبل إزدهار رؤوس الأموال ، و بما تمليه الثقافة المحلية قبل الثقافة المشجعة على الاستهلاك و المحرضة ضد الإنتاج و الإبداع و الابتكار، و بما تمليه العلوم المستقلة قبل اللوبيات العلمية، و بما يمليه المثقف المستقل قبل المثقف العضوي، و بما تمليه الذات الفاعلة قبل النخب المفتعلة ، بما تمليه نتائج العلوم في صياغة برامج و مشاريع اجتماعية قبل املاءات صندوق النقد الدولي و البنك الافريقي، و بما تمليه الغايات الإنسانية قبل الغايات الاستبدادية.

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

التعليقات ( الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع )

المجموع: | عرض: