cron lakome2 - لكم :موقع إخباري مستقل cron
  1. البرلمانية ماء العينين: بنكيران ليس حائطا قصيرا واحتجاج أساتذة الغد تم استغلاله والركوب عليه
  2. تعالوا نخفي سوط الله وسيفه
  3. بالصوتI خطيب جمعة بسلا: المحذرات وراء زلزال الريف.. والجفاف عقوبة إلهية
  4. "راجعين"
  5. الحكومة تهدد الأساتذة المتدربين بالإعلان قريبا عن "سنة بيضاء"
  6. بالفيديو.. بنكيران: إضراب 24 فبراير ليس إعلان حرب وسأستمر في إصلاح التقاعد مهما كانت الظروف
  7. الكونفدرالية الديمقراطية للشغل: الإضراب العام حقق نسبة مشاركة فاقت 85 في المائة إلى حدود الظهيرة
  8. كريم التازي لـ"فاينانشل تايمز": مصالح قوية في النظام ستحاربك اذا كنت ترغب في محاربة الفساد
الرئيسية | رأي | منبر حر | المقاطعة: السلاح الصامت

المقاطعة: السلاح الصامت

آخر تحديث: 02 يونيو, 2018 01:58:00

من البيّن أن مقاطعة المنتجات الثلاثة رسالة شعبية تضمنت جملةَ رسائل، فإذا كانت المقاطعة صبت غضبها على بضائع مخصوصة فإنها سرعان ما امتدت لتشمل غيرها من المنتجات والبضائع، وهكذا أصبحت منتجات "دانون" و"سيدي علي" كلها محظورة، ومعها السمك ثروة البلد المخبوءة. وكذلك خدمات محطات "أفريقيا" في المدن وعلى الطرق السيارة. وما تزال لائحة المقاطعة مفتوحة، وما تزال المقاطعة قابلة للتوسع والتحول إلى حراك شعبي عام. بل امتدت الدعوة إلى المقاطعة لتطال ظواهر اجتماعية، كغلاء المهور، ومؤسسات وقوانين كالدعوة إلى إلغاء تقاعد البرلمانيين، وتَرصُد مهرجان "موازين" بعين التوجس. ولذلك لا نشك في أن حملة المقاطعة الجارية موجة من موجات الربيع العربي. فمن سمات الظواهر الاجتماعية أن تشتد وتخفت، وأن تمر بفترات كُمون قد يعقبه احتقان، وقد تعتريها أحوال وتقلبات في خضم صراعها من أجل البقاء. ومن ثم كانت المقاطعة الاقتصادية الشجرةَ التي تخفي الغابة. فماذا في الغابة يا ترى؟ وما رسائل المقاطعين؟ وما الذي طبع المقاطعة الجارية فجعلها حدثا فريدا متميزا عن صور الاحتجاج التي سبقتها؟

ودعْنا نبدأ بالسؤال الأخير، تلوح ميزتان اثنتان لمقاطعة المغاربة:

الأولى: هي مقاطعةٌ بلا قيادة، على شاكلة الثورة بلا قيادة كما بيّن كارن روس (C. Ross) معالمها في كتابه الممتع (The Leaderless Revolution). ليس في الإمكان حصر ظاهرة شعبية واختزالها في أفراد معدودين. ومن ثم فإن مسلك المقاطعة ظاهرةٌ جمعية تتجاوز الأفراد، إنها تركيب تنصهر فيه ضمائر الأفراد فتصير له طبيعة خاصة وقواعد اشتغال. ولذلك فإن وجود جهة معينة تُعلن انطلاق الحدث الاجتماعي لا يعني أن هذه الجهة تمسك بزمام الحدث وتتوقع مصيره وعواقبه. تلك هي سنن الظواهر الإنسانية والحراك الاجتماعي، ولم تزد وسائل التواصل الحديثة هذه السننَ إلا رسوخا وثباتا.

الثانية: اجتراح سبيل الاحتجاج الاقتصادي، فقد خبرَ المغاربة خلال السنوات القليلة المنصرمة طرقَ التظاهر السلمي، والمسيرات الشعبية بشعاراتها المنددة بالفساد والريع، وكتبوا المقالات المفصّلَة في ذلك، وعبروا عن احتجاجهم بوسائل التواصل الحديثة على اختلافها. أما المقاطعة الجارية فابتغت مُنازلة الريع بالفعل لا بالقول، ومحاصرته حيث ينشأ ويترعرع. ابتغى المقاطعون أن يخرجوا من الاحتجاج القولي إلى الاحتجاج الفعلي، وأن ينتقلوا من التعبير الكلامي إلى التعبير السلوكي. وما تزال أساليب الاحتجاج يكمّل بعضها بعضا، ويختار منها العاقلون الأنسب للمرحلة.

وأما سؤال الغابة فيحيل على الفساد المستشري في البلد طولا وعرضا، فساد لا يستثني قطاعا ولا مجالا، وما يومُ حليمة بسر. ويكفي أن نلقي نظرة على المجالات التي مسّتها دعوة المقاطعة حتى يتبين لنا أن الفساد والريع لم يترك ميدانا إلا ولجه: الاقتصادي والسياسي والفني والثقافي والاجتماعي. الدولة في أزمة والمجتمع مريض يعالج أدواءه بطول الأمل.  

فلْنمُر إلى رسائل المقاطعين، ما حقيقة المقاطعة؟ وما تبتغي؟

أما حقيقتها فتُبيّنه نظرية الفوضى بالمفهوم العلمي الدقيق (Chaos theory). وفحوى النظرية أن التغيير في الشروط الابتدائية لظاهرة ما يؤدي إلى حدث ضخم، حتى يبدو أن هنالك عدم تناسب بين السبب والنتيجة أو بين الفعل ورد الفعل. هذه النظرية التي تَنبّه لها إدوارد لورنس (E. Lorenz) وهو يَدرس إمكان التنبؤ بالطقس نراها أجدرَ أن تفسر الظواهر الإنسانية. فالتأثير اليسير في المجال الاجتماعي قد يحدث أثرا ضخما غير متوقع. وكذلك لا يمكن التنبؤ بمآل المقاطعة وما تصير إليه، فقد يترتب عليها ما ليس في حسبان الداعين إليها ولا في حسبان المماطلين. والفوضوية كما هو معلوم لا تعني انعدام القوانين وإلا كانت عشوائية. المقاطعة إذن فوضوية وليست عشوائية. وما دام أن المقاطعة ابتدأت اقتصاديةً فإنه باستطاعتها أن تغير المعادلة فتؤثر في سلوك المنتِج بالتحكم في الشروط الابتدائية للاستهلاك، ما دام أن الشروط الابتدائية للإنتاج ليست بيد المستهلك. وهو ما يفعله المقاطعون وإن لم يكن كلهم على درجة واحدة من وعيِ الأمور الاقتصادية، وما تعجّ به من ظواهر غير خطية (nonlinear phenomena). بإمكان هذه المقاطعة من حيث هي فعل شعبي جماهيري لا تتناسب قوانينه طرديا أن يرسم مسارات فوضوية، وأن يُحدث ما لم يُتوقع.

والآن، ما أهداف المقاطعة؟ وعلامَ يحتج المقاطعون؟

أولا: المقاطعة احتجاج على الفساد العام الذي تتخبط فيه البلاد أفقيا وعموديا، وليس مجرد انتفاضة بسبب ارتفاع الأسعار. فالأسعار ظاهر يخفي وراءه باطنا عفِنا وفسادا مستفحلا. الأسعار شجرة والفساد هو غابة السوء والظلام.

ثانيا: المقاطعة احتجاج على الاحتكار والصفقات المختلَسة، وفضحٌ لعالَم تَغيب فيه المنافسة الشريفة.

ثالثا: المقاطعة رفض لتحالف المال والسلطة الذي ييسّر خرق القوانين والتعالي على الدولة ومؤسساتها.

رابعا: المقاطعة تنديد بغياب المحاسبة وتملص "الكبار" من مسؤولياتهم، وإخلالهم بواجباتهم.

خامسا: المقاطعة سعي إلى كشف الحقائق وإسقاط الأقنعة، وتعريةِ الأحزاب على اختلاف ألوانها، سواء ما يسمى منها بأحزاب المعارضة أو أحزاب الحكومة.

سادسا: المقاطعة صرخة في وجه برجوازية متوحشة لا تَرقب في المواطن الكادح مواطنَةً ولا إنسانية ولا تجارة بالتي هي أحسن.

سابعا: المقاطعة إعلان ضمني عن هوة عميقة بين شعب بئيس ومسؤول غائب، بين طبقة كادحة وطبقة مترفة.

ومجمل الكلام أن المقاطعة استمرار لثورات الربيع العربي وموجة من موجاته، ولكنه احتجاج على نحو مغاير. ابتغى الاحتجاجُ أن يكون سلاحا صامتا، يؤتي أكله بلا ضجيج وبأقل الخسائر الممكنة. ومن العبث أن نبحث عن قيادة لهذه المقاطعة لأنها مقاطعة بلا قيادة. أما هدف الاحتجاج فهو تحقيق التغيير بلا واسطة ما دام أن الوسطاء أخفقوا في مهمة تمثيل الموكِّلين. وأقبح ما في الأمر أن الوكلاء الذين أنيطت بهم مهمة تمثيل الشعب احترفوا مهمة "التمثيل عليه". لكن أجمل ما في المشهد هو مبادرة عامة الناس إلى التحرك بدل المراهنة على الخائبين وحماة النهب من الشركات الجشعة، ابتغاءَ عالم أفضل.

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

التعليقات ( الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع )

المجموع: | عرض: