cron lakome2 - لكم :موقع إخباري مستقل cron
  1. البرلمانية ماء العينين: بنكيران ليس حائطا قصيرا واحتجاج أساتذة الغد تم استغلاله والركوب عليه
  2. تعالوا نخفي سوط الله وسيفه
  3. بالصوتI خطيب جمعة بسلا: المحذرات وراء زلزال الريف.. والجفاف عقوبة إلهية
  4. "راجعين"
  5. الحكومة تهدد الأساتذة المتدربين بالإعلان قريبا عن "سنة بيضاء"
  6. بالفيديو.. بنكيران: إضراب 24 فبراير ليس إعلان حرب وسأستمر في إصلاح التقاعد مهما كانت الظروف
  7. الكونفدرالية الديمقراطية للشغل: الإضراب العام حقق نسبة مشاركة فاقت 85 في المائة إلى حدود الظهيرة
  8. كريم التازي لـ"فاينانشل تايمز": مصالح قوية في النظام ستحاربك اذا كنت ترغب في محاربة الفساد
الرئيسية | رأي | منبر حر | حملة المقاطعة: إرادة شعب

حملة المقاطعة: إرادة شعب

آخر تحديث: 16 ماي, 2018 08:55:00

طرح السؤال حول الجهة التي تقف وراء حملة المقاطعة، علاوة على تهافته في سياق وسائل التواصل الاجتماعي الموسومة بالأفقية والتفاعل واضمحلال الإملاءات العمودية، وهي الفضاءات التي انطلقت منها، يخفي حقيقة أن المعنيين الأوائل بالحملة يخشون الاصطدام المباشر مع "الشعب"، من خلال محاولة إلصاقها بخصم حزبي قليل العدد ومعالمه واضحة وملموسة، في أفق  احتواء والتقليل من قوة هذه الحملة  التي لم يسبق لها نظير في التاريخ المغربي الحديث.

لقد ظل "الشعب"، وهو في الواقع مجموعة من الأفراد/السكان لكل واحد مصلحته الخاصة المختلفة بل والمتعارضة أحيانا، طيلة السنوات اللاحقة لنيل الاستقلال إلى حدود اللحظة، في عتمات الظل مبعدا عن الفعل التاريخي، حيث كان يُشاهد باندهاش مرة، وأخرى باستغراب، وفي الكثير من الأحيان خائفا، كيف جرى ويجري التلاعب والتحكم بكل شيء حتى يبقى تحت رحمة الأقوياء والمتنفذين الذين وجدوا أنفسهم صدفة وارثين لأجهزة الدولة الاستعمارية بإداراتها واستثماراتها وجبروتها.

وفي الوقت الذي وجد فيه أفراد هذه الدولة، والتي أوجدها الاستعمار كقطعة  أرضية متميزة سياسيا، أنفسهم وسط بيئة خِطابية discursive جديدة تقوم على مفاهيم حديثة لم يسبق لها مثيل في تاريخ هؤلاء الأٌفراد، من قبيل مواطن وحزب وإدارة ودستور وبرلمان، كانت التحركات المضادة للسلطة الموروثة للحد من الإرادة العامة لهؤلاء الأفراد تدب شيئا فشيئا، بعدما اكتسبت هذه الإرادة قوتها القصوى وتوحدت في كتلة واحدة في مواجهة الاستعمار من أجل نيل الاستقلال، حيث كانت أحلامها كبيرة في بناء الوطن الحديث والقوي والمزدهر وذلك باستعمال مؤسسات هذه الدولة الحديثة.

ولئن كانت هذه الحالة من تغييب الإرادة الشعبية/العامة قد استمرت سنوات طويلة، من خلال اعتماد وسائل القمع والتنكيل والتعذيب والتزوير، وعادت في محطات نوعية بدءا من ما عُرف بالتناوب وانتهاء بحركة 20 فبراير وحراك الريف تخصيصا، إلا أن محطة حملة المقاطعة سوف تكشف من جديد قوة هذه الإرادة الشعبية، وسعيها الجارف إلى استنشاق هواء الحرية والكرامة والعدالة والأدمية، بعيدا عن الضبط والتحكم والشرعية غير المشروعة وقتل السياسة والاحتكار وزواج المال والسلطة.

إن بروز الإرادة العامة، والذات الشعبية sujet populaire، في أدبيات النظرية السياسية، حتى ولو لم يسبقها شرط التشييد la construction من طرف فاعل معين كما في في حالة حملة المقاطعة التي نشأت في قلب الفيس بوك، ولاقت تجاوبا كاسحا، من بين ما تدل عليه هي أن السياسة  تجري في عروقها الدماء، وأنها نشيطة كبركان هائل يأخده النوم في فترات محددة لكنه لا يموت، وذلك ضدا على المحاولات الحثيثة والمستحيلة لإنهاء التاريخ وتأبيد هيمنة l’hégémonie الأوليغارشية.

فإذا كانت حملة المقاطعة قد أظهرت مدى ما وصلت إليه "القوة الثالثة" من الارتباك والبلبلة وفقدان الاتزان والتردد، وحتى الخوف، فإنها بالمقابل أبانت عن مقدار كبير من الأمل والنصر والفرح والتحدي البادية ملاحمه، بشكل لا يمكن أن يطاله الخطأ، على وجه مختلف المساندين لهذه الحملة، إلى درجة مبادرة الأغلبية إلى استنكار كل من يخرج عن دائرة المشاركة فيها.

ومن الواضح أن المقاطعة هي أول نصر معنوي لهذه الكتلة الحيوية من الأجساد التي ظلت سنوات طويلة غير مرئية والمعروفة باسم غامض هو "الشعب".

لقد ساهمت هذه الحملة في إطلاق نوع من الاستقطاب الحاد داخل المجتمع المغربي، أو تفريق المغاربة بتعبير "خوكم منصف"، وهذه خطوة ذات حمولة سياسية لا غبار عليها، وأفرزت نوعا جديدا من حرب المواقع، جعلت حتى الكثير من الفاعلين المندمجين في النظام يمتنعون عن إبداء الموقف بشأنها، كتعبير واضح عن الخوف من ضرر مرتقب من "الاحتراق" في عيون الشعب، رغم أن المواقع التي يحتلونها مرتبطة أساسا بالولاء وليس بالسياسة.

هكذا، أصبح "النحن" هو الشعب المقاطع، المتحدي، والمتضرر من ارتفاع الأسعار وتكاليف الحياة الباهضة التي لا تكفي الأجور الممنوحة لتغطيتها، والمتذمر من الأحوال الكارثية التي وصل إليها البلد، حيث لا يبقى من أدوات لمواجهة "الهُم" المتنفذين سوى هذه الخطوة الرمزية-الواقعية بعد قتل السياسة وابتلاع النظام لكل التعبيرات والمؤسسات.

بالمقابل، يظهر "الهُم" كمحتكرين رافضين للمقاطعة، مكابرين، لا يريدون الاعتراف للشعب بقوته، ويرفضون التنازل لصالحه، ويجمعون على نحو سافر وواضح بين السلطة والمال في تحد صارخ لهذا الشعب، ويتميزون أيضا بالغنى الفاحش المحصّل عليه بالرفع غير معقول للأثمنة بشكل لم يواكبه ارتفاع مناسب في الأجور التي يمنحها هؤلاء أنفسهم. وبناء عليه، تكون قد ظهرت حدود داخلية وسط المجتمع أضفت زخما سياسيا كبير في الفضاء العمومي، وعادت  السياسة مع هذه الحدود الداخلية إلى الانبثاق من جديد.

إن "الشعب"، حتى ولو كان ذاتا فارغة تحتاج إلى  أن "تُضخ" فيها هوية ما، وحتى ولو وُصف "بالمدوايخ" و"الخيانة" و"الأمية" و"القطيع" و"الجهل" و"الانفعال اللامعقول"، فإنه يتحول إلى رقم صعب في المعادلة في حال صارمتضامنا وواضح المعالم والأهداف؛ ولعل من الشروط القبلية  لانبثاق السياسة هي أن يصبح "الشعب" موحد الكلمة، ويشترك فقط في تقاسم الخيبات التي يتجرعها من النظام القائم، المرة تلو الأخرى، إذ يرفض تلبية مطالبه، والتي للمفارقة يصفها بأنها "عادلة ومشروعة"! 

وبالرغم من التصريحات الاتهامية لبعض الوزراء حول حملة المقاطعة، إلا أن الاتهام الذي يوجه إليها باعتبارها حملة سياسية، بعيدا على أن يكون سلبيا، هو في الواقع صحيح تماما؛ فبينما الإرادة الشعبية/العامة تفهم السياسة كأمل وحيد في الخلاص الجمعي وصراع من أجل تحسين الواقع وتغييره إلى الأفضل، تجنبا لاستعمال العنف، تأبى الطغمة المسيطرة إلا أن تفهمها كتهديد وجودي يستهدف مواقعها ومصالحها وهيمنتها، وتحرص على محاربتها مع علمها أن ذلك يصب في بقاء الفقر والبطالة وقانون الغاب والجمود  وهجرة الشباب وغياب الآفاق والعنف والحكرة...

وباختيار الطغمة المتنفذة التموقع في صف مضاد للإرادة الشعبية ومصالح الأغلبية الاجتماعية، لا يبقى من سبيل للانعتاق من مخالبها الوحشية إلا المراهنة على السياسة والذكاء الجمعي واستعادة المؤسسات المختطفة والتفكير في طرق مبتكرة في النضال والعمل، وحملة المقاطعة تنخرط قطعا ضمن هذه المراهنة.

ومما ينبغي الانتباه إليه، أخيرا، وفي سياق حملة المقاطعة، هي أن هذه الإرادة الشعبية المتبلورة، في حاجة إلى أن يُمنح لها معنى محددا، من خلال تشييدها خطابيا كفاعل اجتماعي مستقل، بالتركيز على تأريخها على نحو مغاير، كما ينبغي أن يُضطلع بذلك مع مختلف المعارك الاجتماعية السابقة والقادمة، على أن يترك جانبا البرادغيم السائد لدى أغلب الباحثين والكُتاب الذين يجهدون أنفسهم في لفت نظر السلطة إلى خطورة الواقع الاجتماعي، ووضعها في موقع المرسل إليه أو المحاوَر، وذلك في فهم أبوي لعلاقة الدولة بالمجتمع. والحال أن لهذه السلطة أجهزتها "الأمنية" و"السجنية" و"الإيديولوجية" التي تتكفل بإبقاء الوضع تحت السيطرة أو ستاتو كو statu quo، في غنى تام عن إسهامات العلوم الاجتماعية وقاموس المدخلات والمخرجات؛ وهذه صيغة أخرى للقول بأن الدينامية الاجتماعية ينغي أن تبقى خارج مغناطيس النظام والسلطة، عبر التنظير لذاتها المستقلة والنافرة من السلطة القائمة، في أفق أن تدمج وفق شروطها الخاصة المختلفة وفي سياق مناسب.

فالمعارك التي تضطلع بها المجتمعات، حتى ولو أُجهضت ولم يكتب لها النجاح، تبقى نابضة قائمة، تحتاج فقط إلى من يستنهضها ويبث الروح فيها من خلال تشييدها في سردية محددة وخطاب متماسك.   

 

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

التعليقات ( الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع )

المجموع: | عرض: