cron lakome2 - لكم :موقع إخباري مستقل cron
  1. البرلمانية ماء العينين: بنكيران ليس حائطا قصيرا واحتجاج أساتذة الغد تم استغلاله والركوب عليه
  2. تعالوا نخفي سوط الله وسيفه
  3. بالصوتI خطيب جمعة بسلا: المحذرات وراء زلزال الريف.. والجفاف عقوبة إلهية
  4. "راجعين"
  5. الحكومة تهدد الأساتذة المتدربين بالإعلان قريبا عن "سنة بيضاء"
  6. بالفيديو.. بنكيران: إضراب 24 فبراير ليس إعلان حرب وسأستمر في إصلاح التقاعد مهما كانت الظروف
  7. الكونفدرالية الديمقراطية للشغل: الإضراب العام حقق نسبة مشاركة فاقت 85 في المائة إلى حدود الظهيرة
  8. كريم التازي لـ"فاينانشل تايمز": مصالح قوية في النظام ستحاربك اذا كنت ترغب في محاربة الفساد
الرئيسية | رأي | منبر حر | "بُوخُودْ"* المقبرة النموذجية بفڭيڭ

"بُوخُودْ"* المقبرة النموذجية بفڭيڭ

آخر تحديث: 16 أبريل, 2018 09:12:00

   بعيدا عن فتن الدنيا وصخب الحياة وقريبا من مستقبل مضمون يلوح في الأفق، هو على مرمى حجر أو رمشة عين.أعود إلى أفقي، إلى قبري و روضتي وما دعاني لاستحضارها وللتفكير فيها والحديث وكذا الكتابة عنها ؟.

    في حياتي البسيطة، عشت وأعيش بلا تخطيط وبتلقائية مفرطة وعفوية ترتقي في لحظات عديدة إلى الفوضوية واللاحدود، دون عناد مع الزمن، مع حاضر مضى قبل أن يحضر، دون عناء التفكير في مستقبل وما سيحمل إلي من مفاجآت، من مسرات و مآسي لا تخرج عادة عن المألوف الإنساني.لقد استوعبت جيدا وربما مبكرا نصيحة الشاعر الكبير "عمر الخيام" و أسترشد بها وإن نسيتها أو تناسيتها أو تجاهلتها فإن المرحومة "أم كلثوم" تتكلف لتذكرني في كل مرة وبكل الأمكنة باستمرار وبإلحاح منها: «لا تشغل البال بماضي الزمان .. ولا بآتي العيش قبل الأوان .. واغنم من الحاضر لذاته .. فليس في طبع الليالي الأمان». لكن لا أدري لماذا أوصيت رفيقة حياتي، إن غادرت سفينة الحياة قبلها أن تعمل على نقل جثماني إلى واحة فڭيڭ لكي أدفن هناك في مقبرتي الجميلة والمفضلة "بوخودboukhoud " ؟ (ربما المقبرة والقبر هو الشيء الوحيد الذي يتأسس خارج معيارالقبح والجمال وهذا ما نلمسه، على الأقل في أصول الدين الإسلامي). بل أيضا وفرت لها القدر الكافي من المال ووضعته عندها كوديعة وذلك لتغطية مصاريف النقل من مكان موتي « وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ»(1) إلى واحة فڭيڭ حيث مقبرة "بوخود" الرحبة والفسيحة،المستقبلة بذراعيها المفتوحتين وبسخائها المعهود منذ سنة 1956م، وحيث الأفق المرسوم. ربما في قرارة نفسي "لم أولد غريبا حتى أدفن غريبا" و"لم أبدأ وحيدا حتى أنتهي وحيدا ". هل أنا "أصولي" ؟ هل تسكنني مقولة " الرجوع إلى الأصل أصل" وهكذا أَوَّلْتُها و فهمت معناها ؟ هل لأنني أخذت من تلك الأرض و إليها سأعود و فيها سأدفن وعليها سأنبت ومنها سأبعث يوم الدين ؟« مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ»(2). أو ربما الطريق إلى الله هناك قصيرة وسريعة وغير ملتوية، معبدة ومنيرة ؟ أم لكوني سأشعر هناك براحة تامة وأمان وطمأنينة شاملة وأنا بين أهلي وبعض من أصحابي ؟.

مع الرتابة والعادة والقرب والقرابة، وفاة شخص ما من أهل فكيك الساكنين بالواحة أوحتى خارجها، يشكل لنا خبرا مهما، نظرا للروابط العائلية أو لمعرفتنا وعلاقتنا بالشخص المغادر للسفينة أو لأحد أقربائه، الإشعار يكون جماعيا (الإخبار المباشرشفويا، بث المقاهي لآيات من "الذكر الحكيم" كإعلان عن خبر الوفاة ومشاركة في لحظات الحزن َوالأسى، أو عبر وسائل التواصل الحديثة: الهاتف والأنترنيت).وفي حالات كثيرة عند وفاة أحد أفراد أهالي الواحة القاطنين خارجها تقام له مراسيم العزاء والحداد في بيت أهله أوأحد أقربائه بالواحة. الوفاة بباريس والدفن والعزاء وطعام المأتم (الصدقة) بفڭيڭ.

    في فڭيڭ، الإخبار عن الوفاة، العزاء والحداد، الحزن والبكاء، الغسل والتحنيط والكفن، حضور مراسيم حفرالقبر، السير في المواكب الجنائزية، حضورصلاة الجنازة، المشاركة في تشييع الجثمان، التأبين والدفن، قراءة القرآن وتلاوة الأدعية، إحضار الطعام لأسرة الفقيد. كل هذه الطقوس والشعائر تتم بشكل جماعي ودون أي مقابل مادي. في فڭيڭ، لا حاجة هناك لخدمات كتيبة من المحترفين والمختصين المستأجرين كما هو الشأن في جل المقابر خارج واحتي. هناك في فڭيڭ، كل الأهالي متمرنون، متمرسون، متمكنون ومتطوعون في وجه الله. أن تموت أو تدفن بفڭيڭ لا تحتاج إلى رصيد بنكي أو ذخيرة مالية في جعبتك، يكفيك فقط أن تعلن عن موتك حتى يتكفل الأهالي بكل شيء والكل يصاحبك إلى مثواك الأخير، بمافيهم حبيبتنا النخلة بسعفها الأخضر(ترضوين)، فهي رفيقتنا في الواحة من المهد إلى اللحد.

   "بوخود" المقبرة النموذجية، أتكون قد جلبت اهتمامي بموقعها المحصن من سيول جارفة، وبعدها عن صخب وضجيج الأحياء، وأثارت انتباهي بأرضها المسطحة والمستوية، وسحرتني بشساعة فضائها، وأغرتني بسخائها وبحسن ضيافتها وخدماتها المجانية التي توفرها وتقدمها لنزلائها الأبديين الراضين عنها (لا أحد قام من قبره واحتج أو فر، ولو لمرة واحدة)، وبإعجاب زوارها، منهم من يعيش خارج الواحة بل حتى خارج الوطن ويوصي أهله على أن يدفن فيها في حالة وافته المنية خارج الواحة ؟.في "بوخود" بقعة أرض طاهرة مجانا لوحدك، جنب أهلك وأصدقائك وإخوتك، هدوء وسكون واحترام لم يعد في عصرنا من خاصية القبور والمقابر.      

   "بوخود" مقبرة طبيعية Bio :توفر لكل واحد من ضيوفها الدائمين، حفرة في تراب صلب ونقي يميل إلى الحمرة يتخلله حصى متعدد الألوان يغلب عليه رمادي اللون ناعم وبراق يفصح عن علاقته الطويلة والقديمة بأشعة الشمس الحارقة وبالماء،وأساس مبني  بحجر نظيف كما الغطاء بألواح حجرية متينة و فوقها تراب ممزوج بماء طاهر من عين "تزادرت" Tzadart* ، وبعده طبقة من التراب الجاف ثم يبلل بنفس الماء فطبقة من الطين (هذا الإتقان والمتانة في العمل جعل أحد الظرفاء من أهل الواحة لحظة حضوره مراسيم دفن أحد الموتى، يعلق ويتساءل مازحا: "لماذا كل هذا الكم من الحجر والتراب وكل هذا التمتين والاتقان في العمل ؟ هل أنتم خائفون من أن يقوم ويفر من قبره ؟ ألا تريدونه أن يخرج يوم البعث من قبره ويلتحق بالجمع العام ؟ ) وحدودا في شكل هندسي مستطيل بنفس وشكل الأحجار المستقدمة من الجبال المحيطة بالواحة ،يتم ترتيبها وغرسها ،نصفها في الطين والنصف الآخر ظاهر للعيان ،تضع للساكن (الضيف الأبدي) إطارا وفي وسطه حجرتين مغروستين إحداهما جنب الرأس والأخرى محاذية للقدمين وهي من نفس الحجر المستعمل، هذه العلامتين تفصحان عن جنس الساكن ذكر أم أنثى ،فإن كانتا متوازيتان مع الحاجزين المشكلين عرض القبر فالساكن ذكر، وإن كانت الحجرة المحاذية للرأس متوازية مع عرض القبر والحجرة المحاذية للرجلين متعامدة مع الحاجز المُشَكِّل عرض القبر فالساكن أنثى ،وعلى جنب الإطار كما في وسطه تنمو باقات من النباتات الشوكية ،ربما كشكل من أشكال الدفاع الذاتي يفرض على الزوارعدم الدوس والمشي فوق القبور والحد الأدنى من الاحترام، أو كإعلان و فرح بالضيف الأبدي.إنه القبر.لا باب،لا نافذة ،لا قنوات ،لا عنوان ،لا هاتف ولا أنترنيت له ،إلا عبارات مكتوبة بلغة عربية على لوحة من حديد أو رخام، من قبيل : "هنا يرقد الشخص فلان(ة)" ،يطلب من الأحياء فقط عدم الإزعاج والدعوة له بالرحمة والمغفرة ،دون أن ينسى في الأخير أن يضيف عبارة "إنا لله وإنا إليه راجعون" أو" كل نفس ذائقة الموت" أو "سبحان الحي الذي لا يموت". القصر أو القبر بعد أن تحولت الصاد وأصبحت باء، هو ملكيتك ومملكتك الفردية، الوحيدة والأبدية دون حتى أن تورث أحد، إن لم ينازعك فيها أحد من الأحياء أو حتى من الأموات.( رب لحد قد صار لحدا مرارا *** ضاحك من تزاحم الأضداد - ودفين على بقايا دفين*** في طويل الأزمان والآباد ). (a) سبحان الذي يعبر بعباده أبد الدهر من الأرحام إلى القصور ثم القبور.هناك في "بوخود"على محيط المقبرة، أشجار نخيل مغروسة حديثا، تقدم خدماتها وترعى الضيوف الأبديين عن قرب، ما أظن أن لها من طول النفس ما سيجعلها تواصل معهم المسير إلى النهاية. وحدها جبال الواحة المتسلسلة على شكل حلقة قبلت التحدي الأبدي إن لم تأتي أي صدفة جيولوجية أو فيزيائية و تهزم الجميع في تنفيذ لأمر " كن فيكون".

في "بوخود" لا مكان هناك لما هو غير طبيعي :لا إسمنت، لا زفت ،لا رخام ،لا صباغة لا ألوان إلا لون التراب والحجر و زرقة السماء وخضرة النخيل،لا تلوث ،لا أزبال ،لا تنقيب ولا حفر للمشعوذين ،لا تبول و لا تسكع المهمشين والمقصيين ،لا متسولين على الأبواب ،لا محترفي قراءة القرآن والأدعية ،لا حراسة نهارية أو حتى ليلية .وهل هناك من طهارة أطهر من هذه ؟ وهل هناك من أمن وآمان أأمن من هذا ؟ لا تمييز ولا تميز، لا استعراض لعضلات المال أو السلطة أو العلم أو حتى لفائض من الورع والتقوى، لا طبقية الكل سواسية بمقابرهم وفيها، لا ضجيج لا صداع، الهدوء والسكون هو السائد، الاحترام كل الاحترام، والكل نائمون على يمينهم ومتوجهون نحو الشرق (القبلة) في راحة وطمأنينة تامة، جنب الأهالي وبعض من الأصدقاء وهم ينتظرون إلى أجل غير مسمى.

هناك في "بوخود" سأرقد براحة وسلام، هناك، سأبدأ، سأسكن، سأنتظر، سأصير سأنتهي وسأبعث. و ما لجسد من راحة بعد خروج الروح و التحول إلى جثة، ثم بعد ذلك التحلل في التراب؟. لكن هناك سأطمئن على سلامة وحرمة ما سيتبقى من جسدي وسأضمن له مستقبلا واستقرارا وسيجد كل الوقت الكافي ليتحلل في تربة أصيلة وطاهرة وبين حجارة نظيفة، وهكذا سيعود إلى أصله وفصله. هناك في "بوخود" لا أحد سيأتي يوما ما ليزعجني وينبش في قبري مخاطب أياي: «قم أفرغ المكان وغادره فورا، لقد انتهت صلاحية موتك، لقد ملأتم الأرض برفاتكم أيها الموتى وضيقتم علينا نحن الأحياء وأزعجتمونا بجثثكم النتنة وبموتكم اللامتناهي. خذوا عظامكم وارحلوا عنا، ولتكن لكم وجهة ما ومكانا آخرغيرهذا الكوكب، فالزمان لم يعد زمانكم والمكان لم يعد مكانكم، ولم يعد صالحا للموتى، فهو مبرمج لبناء عمارات تتناطح مع السحب أومعاهد ومصانع لإبادة ما تبقى من إنسانية الانسان». ويا له من سلام ومستقبل واستقرار بعد الموت في عالم تسكنه اضطرابات مسترسلة وحروب لا متناهية تخاض باسم آلهة متعددة أو نيابة عنها، خصوصا عندما تحتضنك مقبرة "بوخود" الكريمة !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!.

* العرفان بالجميل

   كلمة شكر وامتنان وتقدير كأبسط شيء لرد الجميل إلى:

إلى أسرة "آت هكوجلول " أساسا المرحوم "فو جلول " وإلى أسرة "آت أخريص" أساسا المرحوم الحاج" أحمد أخريص" وإلى أسرة "إلحيانن" وأساسا المرحوم الحاج "إبراهيم ألحيان". واهبي الأرض التي أقيمت عليها الروضة، كذلك إلى المرحوم "حمودودو أفرج " صاحب الفكرة، رحمة الله عليهم جميعا.                                              

إلى جميع المحسنين من أهالي فكيك الأحياء والأموات سواء المتواجدين داخل الواحة أو خارجها، في المغرب أو في ديارالمهجر.

إلى الشباب الذين لا يبخلون بوقتهم وسواعدهم من أجل الحفر والدفن في سبيل الله دون أدنى مقابل مادي

إلى الطَّلْبَة الذين ينفقون من وقتهم وحناجرهم وهم يقرؤون ماتيسر من الذكر الحكيم والأدعية في سبيل الله دون أن ينتظروا أي مقابل مادي.

إلى كل الساهرين على حسن التسيير والأشغال دون أي مقابل مادي إلا وجه الله.

إلى أصحاب فكرة السور وكذلك تشجير محيط الروضة بالنخيل.

إلى كل أهالي الواحة الذبن يساهمون كل على قدراستطاعته وإمكاناته ولو بالحظور لحظات الدفن.                             

 

****************************************

الهوامش

(1) سورة لقمان الآية 34

(2) سورة طه الآية 55

* بوخود أو BOCCHUS: اسم لأحد ملوك الأمازيغ عاش قبل دخول الإسلام إلى شمال إفريقيا للمزيد راجع ويكيبيديا، وسميت منطقة بفكيك باسمه كما أن تواجد مقبرة في هذه المنطقة جعلها تأخذ هذا الاسم.

*تزادرتTZADART : إسم لأكبرعين ماء بواحة فڭيڭ هي المورد الأساسي لسقي بساتين (إيرانات) الواحة وهي عنصر أساسي في استقرار الأهالي هناك.

( (aبيتين شعريين من قصيدة "تعب كلها الحياة" للشاعر الكبير أبو العلاء المعري.

 

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

التعليقات ( الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع )

المجموع: | عرض: